السبت 20-08-2022 03:25:03 ص : 22 - محرم - 1444 هـ
آخر الاخبار

السكان في مناطق الحوثيين..رحلة مع المأساة وفصول من المعاناة

السبت 12 مارس - آذار 2022 الساعة 04 مساءً / الإصلاح نت - خاص | صادق عبد المعين
 

 

سياسة خلق الأزمات الاقتصادية في المجتمع اليمني هي واحدة من السياسات التي رافقت المسيرة الحوثية واتسم بها عمر الانقلاب وسنوات التمرد على الدولة والحكومة الشرعية، إذ لم تتمكن هذه الجماعة من إنجاز شيء غير خلق المجاعة والفوضى في المناطق التي أحكمت السيطرة عليها بقوة السلاح.
وقد تعددت المشاكل والأزمات التي أنتجها الحوثيون في كل مجالات الحياة في واقع الناس لتشمل الجانب الأمني والتعليمي والصحي والاقتصادي وغيرها من الجوانب التي تفنن الحوثيون بتعقيدها وتأزيمها، سواء ما كانت عن جهل في إدارة الدولة، أو ماكانت عن قصد لأهداف في حسبان الجماعة.

 

أكبر أزمة في العالم

وعلى الرغم من وجود ظروف اقتصادية صعبة منذ ما قبل الانقلاب وإن كانت أقل حدة، إلا أنها تفاقمت إلى حد غير مسبوق وقفزت إلى أرقام مفزعة، نتيجة التمرد وغياب الدولة وإشعال الحرب مما خلق أزمة إنسانية كبيرة تصنف بأنها واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم خلال الأعوام الماضية.

وقد حذرت منظمة "أوكسفام" من مخاطر استمرار العمليات العسكرية في اليمن الذي يشهد حربا طاحنة منذ ثمان سنوات تنذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة.
ويقول تقرير صادر عن المنظمة في وقت سابق حمل عنوان (فيروس الجوع في تكاثر) أن "اليمن من أسوأ الدول بمعدلات الجوع في العالم حيث تسبب الحصار والصراع في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تزيد عن 100% منذ العام 2016".
ويشير إلى أن المساعدات الإنسانية انخفضت إلى النصف، ما أدّى إلى تقليص الاستجابة الإنسانية وخفض المساعدات الغذائية المقدمة إلى 5 ملايين شخص".
وتوقع التقرير أن "يواجه أكثر من 16 مليون شخص في اليمن أزمة أو مستويات أسوأ من انعدام الأمن الغذائي مستقبلا، إضافة إلى تضاعف عدد الأشخاص الذين يعانون من ظروف شبيهة بالمجاعة ثلاث مرّات تقريبا"

ووفقا لتقرير صادر عن البنك الدولي في يوليو من العام الماضي أن اليمن "البلد الأشد فقرا في قائمة البنك الدولي لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم منذ عام 2015 بسبب الصراع المتأجّج فيه".
ويضيف التقرير "بحلول نهاية عام 2020، بلغ عدد الوفيات في اليمن 233 ألف شخص، مات نصفهم بسبب نقص الغذاء، أو عدم الحصول على الرعاية الصحية، بالإضافة إلى الافتقار إلى البنية التحتية الأساسية المطلوبة لتقديم هذه الخدمات".
ويحذّر من أن نحو "20 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي وخطر سوء التغذية، إذ لا يستطيع ثلثاهم توفير ما يكفي من الطعام والشراب، في الوقت الذي دفعت الحرب ما يربو على 4 ملايين شخص إلى الفرار من ديارهم".

 

عوامل الانهيار

وقد تسببت مليشيا الحوثي في انهيار الاقتصاد اليمني، نتيجة لعدة عوامل وممارسات، تمثلت باستحواذهم على الاحتياطي النقدي لليمن من العملة الصعبة، وكذلك استيلائهم على إيرادات مؤسسات الدولة، وتعطيل عمل البنوك، والاتجاه بشكل أكبر للسوق السوداء والصرافين التابعين لهم، بغرض تنفيذ عمليات غسيل الأموال ونقلها دون قيد أو رقيب، إضافة إلى قرار جماعة الحوثي منع التعامل بالطبعة الجديدة للعملة اليمنية التي أصدرتها الحكومة الشرعية، نتج عن ذلك وجود عملتين وفارق في قيمة العملة الجديدة والقديمة، والذي تجاوز 50%، حيث مثل انهيار الريال اليمني وبحسب خبراء اقتصاديين أبرز المشاكل الاقتصادية التي واجهت الاقتصاد اليمني، إذ فقدَ الريال ما يقارب 250% من قيمته منذ بدء الحرب، حيث بدأت عملية التراجع والانهيار منذ يونيو 2016، إذ سجل حينها سعر الصرف 284 ريالاً للدولار الأميركي، ليصل تدريجيا إلى أكثر من 600 ريال للدولار الواحد في مناطق سيطرة الانقلاب.
وخلال السنوات الماضية تسبب هذا التدهور في انتشار المضاربة بالعملات الأجنبية، وتفاقم سوء معيشة المواطنين، وارتفاع الأسعار بشكل حاد، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها: بنية الاقتصاد اليمني، الفشل والفساد الذي ينخر الحكومة الواقعة تحت إدارة الحوثيين، وتراجع تحويلات المغتربين، إضافة إلى عوامل خارجية وسياسية.

 

مسيرة الأزمات

وتتعدد الأزمات التي برع الحوثيون في انتاجها في أوساط الشعب لتزيد من معاناتهم وتضاعف مأساتهم، فما بين أزمة بترول خانقة تضرب الشارع وتشل حركته، وأزمة غاز منزلي، وأزمة خبز ــ نتيجة انعدام مادة الديزل أو اختفاء دقيق القمح، أو نتيجة لإغلاق المخابز على نطاق واسع بسبب فرض الإتاوات والجبايات ــ وغيرها من الأزمات، يمضي الحوثيون غير آبهين بمعانات المواطنين.

وتشهد اليمن عموما والمناطق الواقعة تحت إدارة المتمردين الحوثيين على وجه الخصوص تصاعداً مستمراً في أسعار السلع الأساسية، وسط تراجع القدرة الشرائية للريال وانخفاض قيمته، في وقت أصبح فيه قرابة 80% من السكان وفقاً لتقارير المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، حيث قفز سعر كيس الدقيق في مناطق سيطرة الإنقلاب وزن 50 كيلوغراماً إلى 18,000 ريال، في ظل العديد من الأزمات التي يعانيها المواطنون، كتوقف تسليم الرواتب، يضاف ذلك إلى انهيار الواقع الخدمي، في مناطق سيطرة الحوثيين.

 

لمن استطاع إليه سبيلا

وتتصاعد حدة أزمة الغاز المنزلي في محافظات عدة، حيث شكا مواطنون معاناتهم جراء الأزمة الخانقة للغاز المنزلي وبسعر رسمي جديد حددته المليشيا الحوثية بـ 6000 آلاف ريال، والذي يتوزع حكرا عبر عقال الحارات والذين يمارسون مزيداً من العبث في عملية التوزيع التي عادة ما تتم في مناطق عديدة بحسب الولاءات والانتماء، في الوقت الذي تصرف فيه أسطوانة واحدة للمواطن كل شهر أو شهرين بينما يحتاج خلال هذه الفترة بين ثلاث إلى أربع أسطوانات، مع كون التعبئة تأتي منقوصة بسبب انعدام الرقابة، مما يضطر الكثير من الناس إلى شراء اسطوانات الغاز من السوق السوداء بأسعار خيالية وصلت في بعض مناطق سيطرة الحوثيين إلى 22,000 الف ريال للاسطوانة الواحدة تتوفر أحيانا بهذا السعر عن طريق الصدفة.
وقد أدى انعدام الغاز المنزلي في عواصم المحافظات ومدن عدة إلى إقبال سكان المدن على شراء الحطب من قرى مختلفة نتيجة الأزمة الحادة للغاز، ليتصاعد سعر الحطب إلى أسعار غير مسبوقة وصلت إلى نحو 60 الفا للسيارة الواحدة.

هذه الأزمة المتصاعدة تتزامن مع أزمة متصاعدة أخرى ساعة كتابة هذا التقرير، وهي أزمة انعدام مادة البنزين في مختلف مناطق التمرد الحوثي، حيث بات المواطنون في معانات حقيقية بسبب انعدام مادة البنزين في مناطق مختلفة واقعة تحت سيطرة الانقلاب.
وتعتبر أزمة انعدام المشتقات النفطية من الأزمات القديمة الجديدة والتي تتكرر كل عام بنسب متصاعدة، غير أن الأزمة الأخيرة هي أكثر حدة مقارنة بالأعوام السابقة، إذ وصل سعر الـ 20 لترا إلى أكثر من 40 الفا في الكثير من المناطق، في الوقت الذي يمنع فيه أصحاب المحطات من تعبئة 40 لترا لكل سيارة وهي كمية لا تكفي لقطع مسافة بين محافظتين.

 

مضاعفة الأزمات

وعادة ما يتم فسح الطريق للمنظمات الدولية والمؤسسات والجمعيات الخيرية عند حلول الأزمات الإنسانية وتفاقمها في أي بلد من البلدان لتقوم بدورها الإنساني وتقديم المعونات والمساعدات خصوصا في حالات الحروب التي تخلق أوضاعا إنساية صعبة.
غير أن خطوات كهذه تقابل عادة بموقف استثنائي من قبل سلطة الأمر الواقع، إذ تعمد مليشيا الحوثي عادة إلى ابتزاز تلك المنظمات والتضييق عليها وفرض شروط وإصدار قرارات وإجراءات تعسفية والتدخل بشؤونها، حيث أنشأت الجماعة مؤخرا ما أسمته "المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي" والذي من شأنه التدخل في أعمال المنظمات الأممية، من خلال إصدار التصاريح اللازمة لعملها مقابل اشتراطات معينة يفرضها الانقلابيون وفرض أموال طائلة للإثراء الشخصي وتمويل العمليات العسكرية.

وطبقا لبعض المصادر فإن القيادي الحوثي "عبد المحسن الطاوس" يتقاضى أكثر من 4 آلاف دولار كرسوم إصدار تصاريح وموافقة لتنفيذ مشروع خيري، فيما يستقطع ما يصل لأكثر من 10 آلاف دولار من تكلفة أي مشروع كابتزاز ممنهج لعمل المنظمات، كما يحتكر التعامل والتنسيق على كيانات وجهات معينة عند استئجار سيارات النقل وتخزين ونقل المعونات مقابل صفقات تصل لآلاف الدولارات في إرهاب منظم لشرعنة الحصول على مصدر آخر للمجهود الحربي.
ففي عملية التخزين، أسس الحوثيون ما يسمى "مكاتب تخليص جمركية" متعددة المهام، وتقوم بعد إصدار التصاريح الجمركية في المنافذ البرية المستحدثة أو ميناء الحديدة إلى تأجير مستودعات كبيرة لتخزين الأغذية والمؤن والمعدات مقابل مبالغ ضخمة تذهب لصالح مجهودهم الحربي وجيوب قيادات معينة أبرزها القيادي الحوثي علي الهادي.
وتقول منظمات دولية إن مليشيا الحوثي تقوم باستغلال المساعدات المقدمة للمتضررين جراء الحرب لمصالح شخصية وعسكرية واستخدامها لتجنيد المقاتلين الفقراء أو تمنح كمكافآة لأسر قتلاهم، كما تقوم ببيعها في السوق لجني وتحصيل الأموال، الأمر الذي فاقم الأزمة أكثر وزاد من معانات الناس الذين يعولون على تلك المساعدات كثيرا للتخفيف من وطأة الحاجة وصعوبة الظروف، خصوصا مع انعدام أسباب الدخل وفرص العمل وتوقف الرواتب طيلة سنوات الحرب.

 

مصائب للبيع

وتعمد جماعة الحوثي إلى اتباع سياسة التجويع والإفقار في أوساط الشعب لتحقيق أهداف متعددة من بينها دفع المواطنين إلى الانشغال والتفكير بقوت يومهم وتأمين لقمة عيشهم، والانصراف عن أي تفكير من شأنه أن يشكل خطرا على مستقبل الجماعة سياسيا وعسكريا، إضافة إلى ضمان سهولة مقايضة المواطنين تحت ضغط الحاجة والفاقة التي تخلقها الأزمات المتلاحقة، وإرسال المقاتلين وتقديم الخدمات والمعونات مقابل الحصول على سلال غذائية وبعض السلع الأساسية التي يتم الحصول عليها عن طريق الاستيلاء على مخازن المنظمات الدولية ومصادرتها، أضف إلى ذلك استغلال جماعة الحوثي للوضع الاقتصادي المتردي واستثماره لصالحها إعلاميا وتوظيفه سياسيا وتحميل دول التحالف المسؤولية، كما تعمد إلى استغلال الملف الإنساني لجني الأموال الطائلة من ورائه وتسويقه أمميا لاستدرار الأموال والمساعدات.

ويواجه السكان الذين يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين معاناة وأوضاع معيشية صعبة، نتيجة انعدام الصحة والغذاء وتفشي الأوبئة وتوقف الرواتب، الأمر الذي زاد من حدة الفقر وصعوبة العيش وأغرق ملايين السكان في أزمة إنسانية غير مسبوقة.
وقد عمدت الميليشيا الانقلابية إلى إغراق اليمن بأزمات إنسانية متلاحقة، وفقا للكثير من الأرقام والإحصاءات المحلية والدولية المروّعة، حيث تؤكد منظمات دولية أن 21 مليون شخص، من أصل 27 مليوناً، باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية ماسة، فيما فقد أكثر من 100 ألف أرواحهم جراء الأوبئة والأمراض القاتلة التي تفشت جراء الحرب الحوثية.

كلمات دالّة

#اليمن