الإثنين 27-06-2022 13:58:17 م : 28 - ذو القعدة - 1443 هـ
آخر الاخبار

غايات القرآن.. صلاح الإنسان وإقامة العمران (الحلقة 1) فاعلية المنهج القرآني كيف ولماذا؟

السبت 15 يناير-كانون الثاني 2022 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت-خاص-عبد العزيز العسالي
 

 

قصور وعي الذات
نافذة نظرية:
- من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" (صحيح مسلم).

- ما من حركة جديدة في الحياة إلّا وأنت تحتاج معها إلى علم جديد. (حكمة عربية).

- من الجنون تكرار ذات الفعل وننتظر نتيجة مختلفة. (آينشتاين).

مدخل:

اقتضت حكمة الله الحكيم العليم أن تكون الجزيرة العربية الحاضن للقرآن العظيم كتاب الرسالة الخاتمة.

- القرآن خاطب الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" (النحل: 89).

وقال تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" (الأنعام: 38)

وقال تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين" (الأحزاب: 41).

مفهوم ختم النبوة يعطينا أربع دلالات منهجية هي:
- خلود منهج العطاء القرآني.
- أن القرآن منهج متجدد.
- إطلاق العنان للعقل المستلهم لغايات القرآن ومقاصده.
- توجيه العقل إلى إعمال النظر في الواقع، مواكبا حركة التاريخ وتحدياته استبصارا واعتبارا، ذلك أن القرآن تضمنت نصوصه منهجا متينا قادرا على استيعاب كل مشكلات ومتغيرات العصور.

دوافع الكتابة:

لا يختلف عالمان حول خلود منهجية القرآن وعطاءاتها المتجددة والقادرة على استيعاب المستجدات زمانا ومكانا، وتقديم أفضل الحلول وأكملها وأنفعها وأكثرها فاعلية في تقديم المصلحة للإنسان دنيا وأخرى، كيف لا والله يقول: "ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا".

انطلاقا من الاتفاق الآنف التقينا بسؤال كبير جدا يفرض نفسه بقوة قائلا: بما أن الاتفاق قائم حول المنهج القرآني، فلماذا نشاهد واقع المسلمين يعج بالتخلف؟ كيف نفهم الإخفاقات القاتلة التي رافقت المسلمين طيلة قرن ونصف القرن ولا زالت؟

أين تكمن المشكلة؟ وهل بالإمكان تقديم إجابة نظرية منبثقة من صميم معارف الوحي تعالج مشكلات العصر؟ وماذا عن العقل؟ هل للعقل العلمي السنني دور منطقي مقبول في تفكيك تعقيدات الواقع واجتراح الحلول؟ أم أن الإجابات سيتم تغليفها بالمنطق الكهنوتي مضفيا عليه قدسية السماء؟

إذن، داوفع الكتابة قادمة من تلك الأسئلة وغيرها.

ضبابية المفاهيم:

يمكننا تتبع المشكلة من خلال متتالية منطقية تبدأ من الخلل في مفهوم وعي الذات، ووعي الذات ناتج عن قصور معيب في التفكير المنهجي القادم من العقلية السلفية المستهلكة لحلول ثقافية وضعت لسياق مختلف تماما للواقع الإسلامي المعيش.

وتزداد المشكلة تعقيدا أن تلك الحلول، الوافد والموروث، فرضت من خلال مقررات التعليم العام، فازداد المشهد عماية. وإذا كان المجتمع المسلم غير مستسلم للثقافة الوافدة بطريقة أو بأخرى، فإنه متطلع عقلا ووجدانا إلى النخبة المحافظة (تيار التغيير الإسلامي المتشبث بالموروث)، على اعتبار أن تشبثه بالموروث يجسد
"عين وعي الذات".

إذن، ضبابية وسلفية المفاهيم قادمة من قصور المنهج الفكري المعرفي الغارق في تكريس استهلاك الموروث، وعلى الرغم أن التعليم لم يصنع تغييرا، كان المتوقع أن العقل سيتساءل من خلال واقعه الغارق في التخلف، وكان المتوقع على الأقل أن يتذكر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع". غير أن العقل الديني ظل رازحا مكبلا بقيم استفتاء موتى القرون.

باختصار، وعي الذات لدى العقل الديني تحول بسبب القصور الفكر المنهجي المعرفي إلى التغني بالماضي، بل إلى ستدعائه وتطبيق مظاهره في واقع الحياة.

حقيقة وعي الذات:

المفهوم السليم لوعي الذات، بعيدا عن الإغراق، يتمثل في عدة أبعاد، يمكننا تقريبها في الأسئلة التالية:
- من نحن؟ أين موقعنا؟
- ما حقيقة المشكلة؟
- ما هي جذورها؟
- ما هي الفرص التي نمتلكها؟
- ما هي أبرز التحديات في طريق الحل؟
- ما الدور الذي يمثله تراثنا الفكري في سبيل النهوض الحضاري؟
- ما حدود التعاطي مع التراث؟
- ما هي المشكلات التي حصلت في التاريخ الإسلامي؟
- وكيف تعاطى معها التفكير المنهجي؟
- ما أوجه التشابه بين مشكلتنا ومشكلات التاريخ؟
- ماذا قدمنا من حلول؟
- هل نستدعي تلك الحلول؟
- هل نركز على منهج التفكير عند سلفنا؟

الأمية الفكرية:

العالم حولنا زاخر بالتجارب الناجحة في مواجهة معضلات العصر، وأيضا موروثنا المنهجي زاخر بالمعارف الملهمة والخلاقة.

نماذج عالمية:

- بريطانيا في الحرب العالمية الثانية شوهد رجالات جيشها في حالة غير سوية وهم يواجهون جيش هتلر
وعلى العكس جيش هتلر الغازي كان يتقدم بخطى ثابته واثقة. هنا، وفي وسط المعركة استدعت الحكومة البريطانية رجال التربية لإعادة النظر في المقرر التربوي

- كوريا الجنوبية في مواجهة الشيوعية في كوريا الشمالية، وضعت مقررات تربوية تضمنت مبادئ هامة: الهوية، القيم، الانتماء الوطني، الولاء للأمة، ووعي الذات.

- أمريكا كل ثلاثة أشهر يجتمع الساسة والمفكرون وعلماء النفس وعلماء التربية وعلماء الاجتماع لإعادة النظر في المقررات التعليمية.

- اليابان، بعد أن سحقتها القنابل الهيدروجينية ووقع إمبراطورها على صك الهزيمة، إلى آخر الشروط التي أملتها أمريكا، وضعت اليابان ثلاثة أسئلة ولا زالت حتى اليوم:
أ- لماذا ضُربنا هكذا؟
ب- لماذا سكت العالم كله إزاء ما حصل لنا؟
ج- أين كنا يوم سبقتنا أمريكا إلى هذه الصناعة؟

نماذج من تاريخنا:

1- كيف عالج العقل المسلم كارثة الانقلاب البويهي الشيعي؟
2- هل اتجه العقل المنهجي المسلم إلى اجترار تراث السابقين أم ابتكر منهجية قادرة على تفكيك جذور المشكلة ووضع حلول مستندة على المنهج المقاصدي؟ الجويني والغزالي نموذجان بارزان اتجها إلى المنهج المقاصدي 100%.

3- بعد اجتياح التتار والمغول لأقاليم الدولة الإسلامية، ما المنهج الذي استند إليه العقل المسلم؟ (العز بن عبد السلام نموذجا للمنهح المقاصدي).

4- بعد سقوط الأندلس، كيف اتجه العقل المسلم؟ الشاطبي نموذجا، اتجه إلى التنظير والتأسيس والتقعيد للمنهج المقاصدي.

5- وهكذا الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي ومالك بن نبي في القرن العشرين اتجهوا إلى المنهج المقاصدي وأضافوا أشياء جديدة كالحرية والمساواة وشبكة العلاقات الاجتماعية وإصلاح التعليم وغيرها.

انسحاق الإنسان:

لا شك أن الحضارة المعاصرة قد سحقت الإنسان حسا ومعنى، فالحربان العالميتان وكذلك الحروب في أنحاء المعمورة سحقت الإنسان، وأفسدت البيئة، ودمرت القيم، ودمرت الأسرة، وصولا إلى تقنين زواج الذكور المثليين، والنساء المثليات، وتقنين المخدرات، وإفساد البر والبحر، والعبث بمقدرات الأوطان، وصولا إلى مجتمع "شلة الثراء"، 358 شخصا يستحوذون على 80% من ثروات العالم، و7 مليارات نسمة لهم 20%.

وعليه، وجدنا أننا بحاجة ماسة لإعادة التأصيل المنهجي ليس مقاصديا،
وإنما تأصيل ينطلق من غايات القرآن ومقاصده في إصلاح الإنسان وإقامة العمران.

غايات القرآن ومقاصده هي موضوع الحلقة الثانية.. نلتقي بعونه سبحانه..

كلمات دالّة

#اليمن