الأربعاء 16-06-2021 23:44:02 م : 6 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

اليمن: فرص التمويل وإخفاق التنمية (5-5)

السبت 20 مايو 2017 الساعة 09 مساءً / التجمع اليمني للاصلاح - خاص

 

عجز في القدرات الفنية الحكومية ووهن في تنفيذ المشاريع الاستثمارية

في فبراير 2013، أعلنت الحكومة اليمنية، بالشراكة مع المانحين، عن تأسيس جهاز مستقل لتسريع استيعاب تعهدات المانحين المعلنة في مؤتمر الرياض 2012.


برغم أن التعهدات المُعلن عنها في مؤتمرَي الرياض ونيويورك عام 2012 لم تغطِّ تغطية كاملة الفجوة التمويلية في البرنامج المرحلي للاستقرار والتنمية (المقدرة بمبلغ 11.47 مليار دولار)، فإن المجتمع الدولي تعهّد بنحو 7.9 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى من التعهدات يحصل عليه اليمن في تاريخه الحديث.


ومنذ يونيو 2013، رفع مجتمع المانحين، بشكل عام، مستوى تخصيص واعتماد وصرف الأموال بنسبة 10% و16% و11% على التوالي، إلا أن هذا المستوى لا يزال بطيئاً. إذا استمرّ المانحون والحكومة اليمنية في معدل الإنجاز نفسه، فستحتاج الأموال المتبقية إلى قرابة السنة ونصف السنة كي تُعتمد على هيئة مشاريع، ونحو أربع سنوات وسبعة أشهر من أجل صرفها.

 

مبيعات النفط
منذ الإعلان عن اكتشاف النفط وبداية تصديره من حقل مارب ابتداءً من منتصف العام 1985م, ثم الإعلان عن اكتشاف الغاز في مارب والبدء في تصديره وحتى توقف الإنتاج ابتداءً من العام 2016م, وبالرغم من تضارب الأرقام الحكومية وعدم وضوحها فيما يخص سواء الكميات المصدرة من النفط والغاز أو المبالغ المتحصلة من المبيعات، والتي يفترض أنها ترد إلى خزينة البنك المركزي، وبالرغم من وصول مبالغ المبيعات المعلن عنها والتي تتجاوز مبلغ الملياري دولار سنوياً بكثير، وظلت إيرادات اليمن من النفط والغاز – بالرغم من بيع الغاز بثمن بخس خلال صفقة فاسدة مع شركة كورية وفرنسية – تغطي حوالي 70% من إجمالي الموازنة الحكومية البالغ متوسطها حوالي سبعمائة مليار ريال, أما نفط الكلفة وهو الكمية التي تبيعها الشركات المستخرجة للنفط فحدّث عنه ولا حرج؛ حيث يتقاسم المسؤولون اليمنيون العبث فيه مع لوبي الفساد في شركات النفط.


وخلال أكثر من 30 عاماً من إنتاج وبيع النفط ثم النفط والغاز فيما بعد فإن المبالغ المتحصلة من مبيعات النفط والغاز والتي يفترض أنها وصلت إلى خزينة البنك المركزي تساوي أكثر من 78 مليار دولار.

 

الشفافية والمساءلة
تعد أنظمة وقواعد ومبادئ الشفافية والمساءلة أعمدة أساسية للحكم الرشيد، والتي غابت كلياً خلال أداء الحكومات اليمنية المتعاقبة خلال حكم علي عبدالله صالح طيلة الثلاثين السنة الماضية، وحتى الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والذي يفترض أنه يقوم بدور ما للرقابة على أداء الحكومة وعلى الاستخدام الرشيد للمال العام وللسلطة التنفيذية لم يقم بأي دور يذكر بالرغم من تقاريره المملّة والتي لا تغني ولا تسمن من جوع، وحتى عندما تحدث بعض المحاولات الجادة من قبل بعض موظفي الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة أو مجلس النواب أو محكمة الأموال العامة، فإنّه سرعان ما تقوم سلطة علي عبد الله صالح بحماية الشخصية أو المسؤول محل المساءلة أو الاتهام، وبالتالي تضيع وتتميع الكثير من تلك المحاولات لصالح استمرار الفساد ونموه وحماية رموزه.

 

الحاجة المستقبلية إلى مزيد من الدعم الخارجي
إذا كانت التقارير الدولية تشير إلى حاجة اليمن إلى حوالي 5 مليار دولار سنوياً ولعدة سنوات قادمة لتمويل البرامج الاستثمارية والتنموية خاصة المتعلقة بالبنية التحتية وبخدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي والتعليم والصحة والإصحاح البيئي وغيرها من برامج البنى التحتية حتى تتأهل اليمن ولو بمعايير الحد الأدنى من متطلبات التكيف لتتواكب مع البيئة المحيط بها وذلك في الفترة التي سبقت الانقلاب الحوثي العفاشي، فكيف سيكون الحال اليوم بعد الحرب التي فرضها الانقلاب، حيث ساهم هذا الانقلاب في تدمير الكثير من البنى التحتية والخدمات التي كانت موجودة قبل الانقلاب فضلاً عن نهبه لمدخرات الخزينة العامة والمال العام وأموال هيئات ومؤسسات التقاعد.


وتشير بعض التقديرات الحكومية إلى أن اليمن بعد أن تضع الحرب أوزارها ربما يحتاج إلى حوالي 10 مليار دولار سنوياً ولعدة سنوات قادمة من أجل إعادة بناء ما دمّرته الحرب من بنى تحتية ومن إضافة المتطلبات الأساسية في البرنامج الاستثماري.


وكما أشارت بعض التقارير الدولية إلى أن اليمن بحاجة إلى حوالي 5 مليار دولار سنوياً كمساعدات ومنح خارجية، غير أن قدرات حكوماته المتعاقبة لم تستطع استيعاب سوى 1.4 مليار دولار.


وبالرغم من تلك الأموال المعلن عنها في مؤتمرات المانحين السابقة إلا أن شيئاً ملموساً لم يتغير على الأرض على صعيد البرامج الاستثمارية الحقيقية التي كان بإمكان الحكومات المتعاقبة في اليمن على تنفيذها، حيث ظلت العقلية المتسلطة القابضة على مفاصل السلطة تمسك بكافة خيوط الجهاز التنفيذي المليء بالفساد والوهن ولم تستطع السلطة آنذاك أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام لتحدث تنمية حقيقية يكون بإمكانها الحد من معدلات الفقر بين الأسر اليمنية وكذا الحد من البطالة بين الشباب والتي وصلت إلى أرقام قياسية سواء قبل أو بعد الانقلاب الحوثي العفاشي على السلطة الشرعية في اليمن.


ومن أكبر مظاهر الفساد وتجلياته كانت في قطاع الكهرباء الذي أظهر ليس عجزاً وحسب بل انهياراً في منظومة الطاقة المنتجة بالميغاوات ولو حتى بالمستويات الدنيا، وقد استطاع لوبي الفساد من نهب مئات الملايين من الدولارات مقابل شراء مولدات كهربائية قديمة جرت صيانتها على عجل لتبدو جديدة وتعمل بالديزل ذات الكلفة العالية والملوث للبيئة وذات الإنتاجية المتدنية جداً. واستطاع لوبي الفساد تأمين الحماية له من قبل أرباب السلطة والنافذين فيها وعلى رأسهم علي عبدالله صالح، وكثيراً ما أفشل عدة محاولات للمسائلة من قبل مجلس النواب.


في تقرير لصندوق النقد الدولي قبل الانقلاب المشؤوم على السلطة الشرعية في اليمن فإنّه كان يعيش أكثر من 45% من اليمنيين تحت خط الفقر, كان ذلك قبل سنة 2014م، وبعد ذلك، وخلال السنتين التي مضت من عمر الانقلاب والذي ترافق مع نهب البنك المركزي ومؤسسات القطاع العام والمال العام وتوقف صرف رواتب موظفي القطاع العام والمختلط، وكذا إفلاس وتعثر الكثير من مؤسسات وشركات القطاع الخاص فقد قفزت معدلات النسبة المئوية لليمنيين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 80%.

 

الحصاد المر
يقف اليمن اليوم -والحرب لم تنته بعد- على أعتاب بقايا دولة تحاول الحكومة الشرعية لملمة أوصالها الممزقة بين العاصمة التي تحتلها مليشيات الانقلاب وبين المناطق والمدن والمحافظات المحررّة، حيث توجد بقايا بنية تحتية في كل ربوع اليمن تقريباً، فلا توجد فيها كهرباء بالقياسات المتعارف عليها دولياً ولا خدمات الصحة والتعليم والماء والصرف الصحي وحماية البيئة ولا طرق السفر السريعة بالمواصفات الدولية ولا المحاكم التي تفرض القانون وتحمي العدل والحقوق, ولا توجد مناخات جاذبة للاستثمار تولّد فرص ووظائف حقيقية للقوى العاملة التي تزخر بها اليمن خاصة في أوساط الشباب.


وخلال الثلاثين السنة من عمر نظام علي عبدالله صالح فإنّ حصاده المر يمكن تلخيصه على النحو التالي:
• بلغت مساعدات المملكة العربية السعودية مبلغ يزيد عن 50 مليار دولار.
• بلغت مساعدات بقية دول الخليج العربي ويضاف إليها دعم دول أوروبا وأمريكا بمبلغ يزيد عن 50 مليار دولار.
• بلغت مبيعات اليمن من النفط والغاز مبلغ 78 مليار دولار.
• بلغ الدين العام الداخلي والخارجي حوالي مبلغ 30 مليار دولار.
وعندما نستعرض مبلغاً يزيد عن 200 مليار دولار هي حصيلة التمويلات الإقليمية والدولية مع الناتج القومي العام والديون العامة على الدولة نستطيع أن نتخيل كيف أن علي عبدالله صالح ونظامه وأعوانه لم يحرص يوماً على بناء دولة يسود فيها النظام والقانون، بل حرص على بناء مجده الشخصي وتوريث الحكم لأبنائه من بعده، وكيف أضاع هذه الثروة الضخمة وفوّت الكثير من الفرص الذهبية لليمن لكي ينهض وتزدهر فيه تنمية حقيقية مستدامة.

 

أ.د. نجيب سعيد غانم الدبعي
nsghanem@hotmail.com