الأحد 13-06-2021 02:02:51 ص : 3 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

تصفية الخصوم والاستفراد بالسلطة

أصابع الإرهاب الخفية في اليمن..(1-2)

الجمعة 12 مايو 2017 الساعة 08 مساءً / الاصلاح نت - خاص

 

أمام دهشة دول الخليج المشاركة في خليجي (20) لكرة القدم لعام 2010 أصَر الرئيس السابق (المخلوع) علي عبد الله صالح، الذي تقرر استضافة بلاده للدورة العشرين لأبطال كأس الخليج، أصَر على استضافة الدورة الخليجية تلك في معقل ما يسمى بتنظيم القاعدة بمحافظة أبيَن جنوبي البلاد ومحافظة عدن. بالطبع المخاوف الخليجية حينها كان لها ما يبررها، لكن مع انتهاء تلك البطولة بنجاح تنفس الخليجيون الصعداء وتبددت مخاوفهم، إلاَ أنهم ظلوا يتساءلون - مع الكثيرين- كيف تمت تلك البطولة الكروية في معقل الإرهابيين (المفترضين) دون أن يحركوا ساكنا أو يطلقوا رصاصة واحدة أو ينفذوا عملية (إرهابية) أو يفكروا حتى بعرقلة البطولة ولو من باب إثبات وجودهم وقدرتهم على تحدي السلطات وإقلاق الأمن؟!

والحقيقة أن تلك التجربة (الكروية) في معقل الإرهابيين (المفترضين) قدمت دليلاً صارخاً على أن ما يسمى الإرهاب في اليمن لا يمثل تهديداً حقيقاً، كونه في الواقع تحت سيطرة أجهزة نظام علي صالح، وهو ليس أكثر من بندقية للإيجار وإرهاب تحت الطلب يتحرك وفقاً لإرادة صالح ومخططاته.

 

الإرهاب في مواجهة شركاء السلطة

بمجرد الانتهاء من الترتيبات الخاصة بإعلان دولة الوحدة في 22مايو 1990 كان الرئيس المخلوع قد أنهى من جانبه ترتيباته الخاصة بتنظيم خلايا الإرهاب التي كانت جاهزة لمباشرة عملها تحت إشراف نجلي شقيقه (عمار وطارق)، وباشرت على نطاق واسع في تنفيذ مخطط استهداف شركاء الوحدة في السلطة والمعارضة معاً، وكان الإصلاح أول من دفع فاتورة الإرهاب (الموجه) من خلال عملية إرهابية بشعة طالت أحد أبرز ناشطيه الشاب عبد الله الملحاني خطيب وإمام مسجد الفنية بحدة (المجاور لمنزل المخلوع صالح) في سبتمبر1990، ثم توالت العمليات الإرهابية بعد ذلك لتطال شخصيات في الحزب الاشتراكي اليمني وتنسب لتنظيم القاعدة؛ إذ تعرض وزير العدل حينها عبدالواسع سلام لمحاولة اغتيال فاشلة في مايو92م، أعقبها اغتيال العقيد ماجد مرشد في يونيو92م جوار مقر الحزب بصنعاء، وفي 14 سبتمبر93م تعرض الشيخ عبد المجيد الزنداني لمحاولة اغتيال من قبل أحد الأشخاص بعد أن حاول اقتحام منزله، وفي أكتوبر من العام نفسه تعرض نجلا البيض (نائب الرئيس حينها) لمحاولة اغتيال ذهب ضحيتها ابن شقيقته.

كانت جميع العمليات الإرهابية تدار من قبل طرف واحد يستخدم الإرهاب ضد خصومه من الإصلاح والاشتراكي في محاولة لدق أسفين بين الحزبين ونسف حالة الاستقرار والسلام الاجتماعي وزيادة التوجس بينهما ودفعهما إلى مربع الصراع وتأجيج العداوة، ورفع منسوب التوتر بينهما، لكن محاولاته تلك اصطدمت بوعي الحزبين. ولم يكتف المخلوع صالح بالإرهاب المسلط على خصومه بل ذهب يُغرق البلد بالإرهاب الموجه الذي وجهه هذه المرة صوب السياح في محاولة للفت أنظار الخارج صوب اليمن كبؤرة إرهابية، فتمت أول عملية خطف لأربعة سياح فرنسيين في فبراير 94م، ثم تتالت عمليات خطف وقتل السياح الأجانب حتى العام 2009م، وألصقت بعضها بالإصلاح في إطار الكيد السياسي.

انتهت حقبة التسعينيات وقد تمكن المخلوع صالح وأجهزته الأمنية من تشكيل العديد من الخلايا الإرهابية واستقطاب وتجنيد المزيد من الأعضاء الجدد إليها، حيث كانت الأجهزة الأمنية تقوم بمهمة الاستقطاب والتجنيد تحت عباءة القاعدة ولكن لحسابها الخاص.

وجد صالح في ورقة القاعدة والإرهاب أفضل وسيلة للتعاطي مع الداخل والخارج، فمن جهة استخدمها لتصفية حساباته الداخلية مع خصومه وإثارة الفوضى والأزمات، وتلك طريقته المعهودة في إدارة البلاد، ومن جهة ثانية استخدمها للابتزاز والتكسب مع الخارج وتسويق نفسه كشريك للمجتمع الدولي في مكافحة ما يسمى بالإرهاب.

 

التفرغ للإصلاح

منذ إعلان الوحدة عام 90م وحتى منتصف التسعينيات تفرغ المخلوع صالح لإزاحة الاشتراكي من السلطة والاستفراد بها مستخدماً كل الوسائل في ذلك بما فيها ورقة الإرهاب والجماعات الإرهابية التي رباها على عينه، وفي النصف الثاني من الحقبة التاريخية نفسها، وبعد أن غدا الاشتراكي حزباً معارضاً مقصوص الجناح، تفرغ صالح لإقصاء الإصلاح من مشاركته الرمزية البسيطة في الحكومة؛ فالرجل مهووس بالسلطة ولا يعرف معنى الشراكة وتسكنه روح التفرد والاستبداد والاستئثار بكل شيء.

في السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة (2000-2010) كثف المخلوع صالح جهوده في استخدام ورقة الإرهاب ضد التجمع اليمني للإصلاح الذي لم يكن في الساحة اليمنية سواه كقوة سياسية يُحسب لها، فيما كان الرجل قد خطا خطوات حثيثة نحو التوريث، وكانت ورقة الإرهاب ضمن أخطر أوراقه التي رفعها في مواجهة الإصلاح في محاولة لتأليب الداخل عليه واستعداء الخارج وتحريضه ضده.

في 28 ديسمبر2002 نفذ المدعو علي السعواني جريمة اغتيال الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني جار الله عمر، في قاعة المؤتمر العام الثالث لحزب الإصلاح المنعقد بالكلية الحربية بصنعاء..

السعواني كان قد خرج للتو من أحد سجون الأجهزة الأمنية للمخلوع، حيث تم تحريضه وتعبئته أيديولوجياً، وعلى غير المعتاد لوحظ وجود عربات البث المباشر للقناة الرسمية في مكان الحادث، ما أوحى بترتيب مسبق لبث الجريمة مباشرة إلى الجهة التي خططت لها، وهي الجهة التي سارعت فور وقوع العمل الإرهابي وقبل شروع الأجهزة المختصة بالتحقيق للإعلان بأن منفذ الجريمة الإرهابية عضو في تجمع الإصلاح وطالب في جامعة الإيمان في توظيف سياسي مفضوح.

ولم يكد يمر يومان على جريمة السعواني حتى وقعت جريمة إرهابية أخرى نفذها مجرم مدفوع يدعى عابد الكامل قتل فيها ثلاثة من الأطباء الأجانب في مستشفى جبلة بمحافظة إب، وعلى الفور سارعت أجهزة إعلام صالح للتأكيد مجدداً بأن منفذ الجريمة ينتمي للإصلاح.

ولفهم أبعاد تلكما الجريمتين والدوافع الكامنة خلفهما ينبغي الإشارة إلى أن اليمن-آنذاك- كان يقف على أعتاب الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 27 أبريل 2003 وكان صالح شديد التوجس من تحالف أحزاب المشترك بقيادة الإصلاح ويخشى من إخفاق حزبه في الحصول على الأغلبية المريحة في البرلمان، فكانت عملية اغتيال جار الله عمر في مؤتمر الإصلاح محاولة لفك عُرى المشترك وضرب علاقة الاشتراكي بالإصلاح وإنهاء تحالفهما ما سينعكس سلباً على قواعد الحزبين وأدائهما الانتخابي، فيما كانت عملية جبلة ضد الأطباء الأجانب بمثابة رسالة للخارج وتحريض سافر ضد الإصلاح ومحاولة لتسويقه خارجياً في عباءة الإرهاب والتطرف ومن ثمَ محاصرته داخلياً وخارجياً، بما في ذلك تشويه صورته لدى جمهور الناخبين، وصولاً لتحجيم دوره السياسي وتوظيف التوجه الدولي لمحاربة ما يسمى بالإرهاب لإرهاب الإصلاح وإحاطته بأجواء نفسية وإعلامية ضاغطة ومربكة تحد من قدرته على الحركة في أوساط الجماهير وتفرض عليه سقوفاً سياسية محددة.

واستمراراً لعملية الكيد السياسي ضد الإصلاح ومحاولة تسويقه خارجياً كأحد رعاة الإرهاب وداعميهم، احتالت أجهزة امن المخلوع على الشيخ محمد المؤيد أحد الشخصيات الإصلاحية المعروفة بنشاطها في المجال الخيري، واستدرجته مطلع العام 2003 للسفر إلى ألمانيا بذريعة الحصول على دعم مالي لأعماله الخيرية من أحد المتبرعين، وتم استدراجه بواسطة عميل مزدوج يدعى محمد العنسي الذي كان يعمل لحساب ال(F.B.I) الأمريكية ومخابرات صالح، وهناك تم القبض عليه بتهمة ملفقة وكيدية هي جمع التبرعات للقاعدة، وتم تسليمه للسلطات الأمريكية التي برأته من تهمة دعم القاعدة لعدم كفاية الأدلة، فيما حكمت عليه ب (75) سنة سجناً لدعم حماس. ومع تكشف الحقائق بتورط أجهزة المخابرات الأمريكية ومخابرات المخلوع في استدراج الرجل وتلفيق التهم له بلا أدلة ألغت محكمة الاستئناف في 2008 حكم الإدانة ضد الشيخ المؤيد وفي أغسطس 2009 عاد إلى اليمن. كانت العملية برمتها محاولة يائسة ومفضوحة من قبل أجهزة المخلوع لإثبات تورط شخصيات إصلاحية بدعم القاعدة وبالتالي وضع الإصلاح نفسه في دائرة الاتهام وتصنيفه دولياً كأحد رعاة الإرهاب، وهو ما كان يؤمله المخلوع ليتمكن من ابتزاز الحزب بل والتحكم بمصيره، لكنه فشل أيضاً هذه المرة لسبب بسيط وهو أن الإصلاح حزب سياسي مدني ينبذ التطرف والإرهاب كونه أحد المتضررين منهما وهو لا يؤمن بغير النضال السلمي أداة للتغيير.

 

الإرهاب والانتخابات مجدداً

في المحطات الانتخابية المهمة كان المخلوع صالح يعمد إلى توظيف ورقة الإرهاب ضد خصومه السياسيين بطريقة استفزازية ومكشوفة إلى حد كبير، غير مبال بعواقب أعماله تلك وحجم الضرر الذي تلحقه لا باليمنيين وحسب بل وبسمعة اليمن الذي تحول بفضل علاقته الوثيقة بالجماعات الإرهابية واحتضانه لها إلى بؤرة إرهابية ومركز تهديد لأمن وسلامة الإقليم والعالم بحسب التصنيف الدولي.

قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت في 20 سبتمبر2006 تمت واحدة من أخطر عمليات الهروب من داخل سجن الأمن السياسي بصنعاء نفذها 23 عنصراً من أخطر عناصر القاعدة في 3 فبراير2006، من بينهم قائد الجماعة ناصر الوحيشي والقائد العسكري للتنظيم قاسم الريمي وجمال البدوي المتهم بالتخطيط لضرب المدمرة الأمريكية (كول) بميناء عدن في 12 اكتوبر2000 وغيرهم، وبمجرد خروج المجموعة بتواطؤ من الأجهزة الأمنية نفسها التي سهلت عملية هروبهم من خلال نفق أرضي تم حفره من داخل مبنى السجن إلى مسجد مجاور، بدأت الفوضى الأمنية المتحكم بها من قبل أجهزة أمن صالح، وشرعت المجموعات الإرهابية (الموجهة عن بعد) في إثارة موجة من الاضطرابات وإقلاق الأمن، وجرى استهداف منشآت نفطية بشكل متزامن في كل من مارب وحضرموت، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية من موعدها زادت وتيرة الإرهاب، فتم الإعلان عن كشف خلايا إرهابية بصنعاء لتصل ذروة الأحداث قبيل الانتخابات بأيام معدودة حين وقف الرئيس السابق أمام جمع من الصحفيين رافعاً بيده صورة المرافق الشخصي لمرشح المعارضة فيصل بن شملان، مؤكداً ارتباطه بالخلايا الإرهابية المكتشفة، وقد برأته المحكمة عقب الانتخابات مباشرة.

لقد مثَل الإرهاب والجماعات الإرهابية إحدى أهم وسائل المخلوع في إدارة الحملات الانتخابية والتأثير على الناخبين وشحن الأجواء الانتخابية وترويع الجمهور بل وتهديده بشكل غير مباشر بالصوملة في حال قرر الانحياز للمعارضة.