الخميس 26-05-2022 20:54:38 م : 25 - شوال - 1443 هـ
آخر الاخبار

الزبيري.. رائد الثورة والحرية

الثلاثاء 03 إبريل-نيسان 2018 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت - متابعات/ احمد الضحياني 

    

شيء من الوقت هي الحياة... حزمة من الأيام هو الإنسان... وما اجمل أن ينتقل الانسان من عالم للبقاء على قيد الحياة لتجاوز معركة البقاء الجثماني إلى عالم معركة اداء الرسالة وبناء الحضارة... وتوفير مقومات بناء الانسان.. استرجاع الانسانية المسلوبة بالقلق والخوف.. ينجو بنفسه بالحرية والعدالة ليضع نفسه من جديد في طريق البناء والاصلاح.. حتى وان كلفهم ذلك ارواحهم الغالية وهم يقدمون ارواحهم للتضحية الصادقة من اجل البلد.. ويرسمون خلق النضال في نفوس ابنائها.. يدونون الكلمة الصادقة للارتقاء بمجتمعهم.. أو يقطعون المسافات للنهوض بأمتهم . 

 

هل يمكن لأي انسان أن يمحو المجد الذي شيده هؤلاء ما اصعب أن ترحل دون أن تؤدي ما عليك تجاه وطنك... وما اشد صعوبة أن تشارك في مأساته.. فعلاً لما لا يجوز في حقه أو تركاً لما يجب عليك تجاهه. 

 

هذا هو الزبيري الذي قال عنه معجم الادباء الاسلاميين اذاً اردت أن تتحدث عن اليمن فلا بد لك أن تذكر الزبيري.. واذا اردت أن تتحدث عن الشعر فلا بد لك أن تذكر الزبيري . واذا اردت أن تتحدث عن الثورة ولم تتحدث عن الزبيري وشعره فانك لم تتحدث عن اهم دعائم هذه الثورة فالزبيري شاعر الثورة.. وقاد مسيرتها بشعرة. 

 

استعرض هنا شخصية الزبيري مناضلاً ثائراً، شاعراً.. في سياق تجاربه النضالية لصناعة (الثورة) ضمن اداة كانت اكثر تصويراً لأدائه ولواقعة النضالي وهي (الشعر) وثورة (الشعر).. على اعتبار أن الثورة كفكرة.. لا تتبدل ولا تتغير.. بل تتبدل القضايا وتتحور الاهداف ويختلف الزمان.. وهي استدعاء لحاضر ثوري قادة الزبيري ومقارنته بحاضرنا الثوري في ثورة فبراير 2011م على فرضية أن الاحرار والثوار هم دائماً في الماضي والحاضر ينهلون من نفس المنهل القيمي والفكري .

 

الزبيري وقصة التحول الجديد 

 

لم يكن في هاجس ذلك الشاب العشريني العمر المغادر بلده اليمن السعيد إلى مصر، ضمن البعوث التي ترسلها المملكة المتوكلية، أن هم المسؤولية عنده قد يتجاوز اسرته واقاربه.. لكن خلال رحلة دراسية قصيرة عرفت بها بصيرته ما خفت بها (باصرتاه) الامم تتقدم وتتغير ووحدة الشعب اليمني المعزول ثقافياً وسياسياً بل معزول انسانياً ليتحول هم المسؤولية عنده من (اسره يعولها) إلى وطن يحتاجه في تلك المرحلة اهم من أي وقت، وتكاليف اعالة اسرة، إلى هم تكاليف انقاذ وطن وشعب كان ما زال تحت اصر الإمامة التي لا ترحم انسانية الانسان.

 يتحدث الزبيري اثناء عودته حامل هم ومسؤولية انقاذ هذا الشعب بقوله: "لقد سافرت من اليمن ولي بضعة نساء واقارب تضمهم داري ، وتجمعهم قرابتي ، واحاول أن اسعى في سبيل رفاهيتهم واسعادهم، ولم اعد إليهم إلا وقد تبدلت نظرتي واتسعت قرابتي، وأحاول أن اشعر أن الوطن كله داري، وان الأمة كلها اسرتي وارحامي، واني لا استطيع أن اختص اولئك الأقربين بخدمة مستقلة تحول بيني وبين الانكباب على خدمة الامن واصلاح الوطن الاكبر الذي لست انا واسرتي منه إلا دائرة صغيره هامت في هيكله العظيم".

 ولد الزبيري في صنعاء – حي بستان السلطان 1910م. 

 

نشأ الزبيري يتيماً ، فتعلم القرآن وحفظه صغيراً، وكان صوته جميلاً لذا كان الناس يحبون أن يسمعوا منه نظم الشعر. وهو دون سن العشرين انتقل للدراسة في مصر فالتحق بدار العلوم قسم اللغة العربية .. وقبل أن يتم دراسته فيها عاد إلى اليمن 1941م .. وبدأ مشواره النضالي لإنقاذ الشعب اليمني، وفي نفس العام الذي أتى فيه من القاهرة استقبلته سجون صنعاء والأهنوم، وبعد خروجه من السجن ذهب مع زميله النعمان إلى عدن، هناك اسس حزب الاحرار 1944م واسس صحيفة (صوت اليمن) التي لعبت دوراً هاماً في إيصال صوت الثوار للشرق والغرب.. فعلى الجميع أن يعلم أنه مثلماً كان الزبيري مدرسة ادبية بامتياز .. كان ايضاً مدرسة سياسية ووطنية، يجب أن ينهل منها اصحاب السياسة والنضال حتى يعرفوا ويقارنوا بين مفهوم الوطن والشعب عندهم ومفهومه عند الزبيري. 

 

عناصر الحرية في شعر الزبيري 

 

- تجسد في شعر الزبيري: الحرية.. والعدالة.. ومحاربة الظلم والطغيان. 

 

- الحرية الوطنية الشعبية مفتاح التجربة الإبداعية لدى الزبيري. 

 

- النضال عند الزبيري يقوم على أساس الحرية؛ حرية الوطن والشعب.. ومقاومة الطغيان والاستبداد المتمثل بالإمام وغيره.. وينشر العدالة ويعتمد على المبادئ العامة والقضايا الانسانية، ويؤمن بقدرات الشعوب أياً كان هذا الشعب، وهذا ما سنجده من خلال قراءة في شخصية الزبيري وتجربته النضالية الثورية، ومن خلال شعرة الذي سخره لخدمة تلك القضايا. 

 

- الحرية. 

 

- الشعب والوطن. 

 
  • الزبيري وثورة الشعر. 
 

يتحدث الشاعر الثائر محمد محمود الزبيري في ديوانه (ثورة الشعر) تحت عنوان (قصتي معي الشعر) هي قصتي مع الحياة أو قد كان من الادق والاصح من حيث الواقع والمنطق أن اجعل العنوان (قصة الشعر معي) وذلك لان الشعر نبضه من نبضات الحياة يدور معها حيث يدور وهو ظل يعبر عن الوانها ، وتقلباتها ليس الأمر بالعكس ، ولكن الشعر في هذه المقدمة هو سيد الموقف ، فلا بد أن نضعه في مكانه فنسير معه أو تدور حوله). 

 

وتسأل الزبيري ايضاً اذ انا لست ادري لماذا يوضع الشعر وحده في قفص الاتهام ولا توضع اللسان كذلك من جراء هذرها اليومي: ألمجرد أن الشعر تجمل وتزين وادخل على نفسه فن اللذة وسحر الجمال ؟ ام أنه من الكائنات الحية التي ترفض أن تموت كما رفض الشيطان فحقت عليه لعنة المنظرين ؟ ويردف الزبيري قائلاً مهما يكن من امر فان الحقيقة الواقعة أن الشعر هو الذي اخرجني من القمقم وقادني إلى غمار الحياة الواسعة الزاخرة بالمفارقات ويقول الزبيري ايضاً: "كنت مفتوناً بشعري إلى ابعد حدود الفتنه فلقد كنت اتناوله في جو روحاني ويمنحني الغبطة المضاعفة.. ويعطيني ثقة خيالية بالنفس كما يشعرني بقوة الاستغناء عن كل ما في الحياة، والايمان بقدرة لا امتلك في يدي شيئاً منها .. ويقول: "كنت احس احساساً اسطورياً باني قادر بالأدب وحدة على أن اقوض الف عام من الفساد والظلم والطغيان". 

 

وقد سار الشعر مع الزبيري جنباً إلى جنب، بل فيه كل التجارب النضالية ابتداءً من محاولة الاصلاح والتقدم من خلال الامام يحيى وابنه احمد، وانتهاءً باليقين الثوري كأساس حتمي للخلاص من الامام بالثورة. 

 

فكان التفكير بالثورة قد سبقتها تجارب نضالية حاول الزبيري ورفاقه الاصلاح عبر الامام، وكان الشعر هو دائماً الأداة الرئيسية.. لهذا يقول الزبيري: "ولقد كان شعر المدح في هذه الفترة البدائية هو الرائد والمستكشف الأول، وهو المجس العميق الدقيق الذي تغلغل إلى اغوار نفس الامام.. واعطانا المقاييس والمعايير لتقدير الحد البعيد الذي ذهب إليه الطاغية من التأله، والقسوة، والاستواء، والاضرار.. وبالنتيجة الحتمية كان الشعر هو الذي اعطانا القدرة على الانتقال النفسي من مرحلة إلى مرحلة، وهز مشاعرنا ورواسينا ، وتلكؤاتنا، ومخضها مخضاً، واشعلها وظهرها وحولها إلى يقين ثوري عميق) فحينما مدح الزبيري الامام احمد قائلاً: 

 

تبدوا لنا فتهم فيك عيوننا * وذكاء في آفاقها لا ترمق 

 

وكأنها صورة من ابصارنا * فتكاد تخطف بالجنون وتسرق 

 

إلى أن قال:  

يا حامل الشعب الكبير بقلبه * الشعب في طيات قلبك يخفق 

 

لم يكن مدحه استجداءً لمنصب أو لمالٍ بقدر ما كان محاولة لصناعة تجربة ناجحة معه في سبيل الاصلاح وتقدم الشعب وعوضاً للشعب من خيبة ابيه. ويوضح الزبيري ذلك قائلاً لم يكن ذلك لأني اطلب منصباً، أو مغنماً شخصياً، فلم اتقلد منصباً، ولم اقبل وظيفة ولم اكسب منه مالاً، وانما اتلمس لبلادي منطلقاً لمجد، وسبيل لتطور واصلاح. 

 

الحرية عند الزبيري 

 

تعتبر الحرية هي المفردة الواضحة والمترجمة لشخصية الزبيري.. وهي معلم من معالم النضال عنده، فالأحرار هم وحدهم القادرون على مواصلة المسير رغم الصعوبات والعراقيل .. الاحرار وحدهم مشعل التغيير وحاملي لوائه.. لذلك كان ابو الاحرار محمد محمود الزبيري وزملاؤه أول من حمل قضية بلادهم والعمل من اجل تخليصها من حكم الامامة، كما أن الحرية التي يملكها الزبيري قائمة على ايمانه المطلق بالله وحده مصدر الحرية... مقتضى ذلك هو تخليص الشعب من رق العبودية الخائفة من الامام، كما أن حب الزبيري ثائراً وشاعراً لوطنه دفعه إلى الايمان بالحرية والتغيير والتعبير عنهما ويدعوا اليها فكثير ما كان يعمل ويدعو إلى حرية وطنه ومواطنه وتخليصهم مما هم فيه فهو يقول: 

 

فأمد يديك إلى الاحرار متخذاً * فهم ملاذك من رق تعانيه 

 

ماتوا لأجلك ثم انبت من دمهم * جيل تؤججه الذكرى وتذكية 

 

ويقول ايضاً أن قانون الحرية هو نفسه قانون الربوبية .. ولنلجأ إلى الله وحده .. ويفصح بذلك شعره: 

 

ليس في الدين أن نقيم على الضيم * ونحني جباهنا للدنية 

 

ليس في الدين أن نوله طغياناً * ونمنوا للسلطة البربرية 

 

ليس في الدين أن نقدس جلاداً * ويمناه من رمانا روية 

 

لعن الله كل ظلم وجودٍ * لعنة في كتابه سرمدية 

 

ويمكن القول أن ايمان الزبيري القوي بالحرية وجعلها المفتاح الاساسي للتخلص من حكم الامامة، وهو الذي دفعه مواصلة النضال وتحمل تبعاته ودخوله السجن والنفي من البلاد من صنعاء هرباً إلى عدن، ومن ثم إلى باكستان.. ولا بد من مقاومة الطغاة بصحوة وايمان وان طال الزمن، وهو في المنفى فالحرية عنده لم ترتبط بزمان أو مكان.. فهو يدعو إلى الحياة رغم الموت المحقق.. يبحث في القمة عن وهج في الفوائد.. يلقى حياته من اجل مواصلة الطريق. 

 

كما تلتقي في شخصية الزبيري العديد من الخصال الانسانية والجمالية.. وفيها يلتقي ادراك واحساس الاديب الشاعر ، والسياسي الحر المناضل والقاضي الرزين العاقل والمصلح الاجتماعي الحريص على اصلاح المجتمع والثائر من اجل شعبه ما زال يرزح تحت الظلم والجهل والمرض واوضح خصله تبدت في شخصية كما تبدت في شاعريته هي (الحرية) واصحبت شغله الشاغل واصحبت؛ أي (الحرية) (والشعب) في تقابل دائماً في شعر الزبيري .. وفيهما افنى حياته منافحاً ، مناضلاً بالشعر تارة .. وبعلاقته مع الامام تارة أخرى. 

 

الوطن والشعب في شعر وحياة الزبيري 

 

يقوم نضال الزبيري على أساس ايمانه القوي بالنصر الذي يبدوا ثمرة من ثمار النضال والمقاومة الدائمة.. ويرتبط الايمان بالنصر في شعره بالاعتداد الذي هو طبع الأسوياء الاعتداد بالنفس والوطن وابنائه ، والاعتداد بتراب هذا الوطن الذي ينجب الرجال الذين يستطيعون تغيير الاوضاع. 

 

كما بدأ الزبيري مشواره الشعري منادياً شعبه كونه القضية الوحيدة والاساسية في عصره.. وخاطب شعباً لم يمت وان كان لا يلبي النداء في بداية المشوار فقد قال: 

 

هو الشعب حق مشيئاته * صواب ورشد خطيئاته 

 

له نبضات احاسيسنا * فما نحن إلا بناناته 

 

له دمنا ولد دمعنا * يغذى عليه ويقتاته 

 

لكن حينما طال نوم شعبه لم يظل الزبيري ساكتاً عن شعبه ووطنه ... لكنه استحر في بكائه ومناداته شعبه الميت المظلوم: 

 

يا شعبنا ثلث قرن في عبادتهم * لم يقبلوا منك قر باناً تؤديه 

 

لم ترتفع من خفيض الرق مرتبة * لم تذق راحة مما تقاسيه 

 

ولا استطاعت دموعك منك طائلة * تطهير طاعته من سكرة التيه 

 

رضيت ارباباً وعشت لهم * تنيلهم كل تقديس وتأليه 

 

فالزبيري لم يريد من هذا الشعب إلا رجالاً احراراً ..

 

وفي قصيدة (صرخة إلى النائمين) كثر إيقاظه لشعبه عندما وجد تفاني للإمام فقال: 

 

ناشدتك الاحساس يا اقلام * اتزلزل الدنيا ونحن نيام 

 

قم يا يراع إلى بلادك نادها * أن كان عندك للشعوب كلام 

 

فلطالما اشعل شعرك حولها * ومن القوافي مشعل وضرام 

 

فالزبيري هنا يخاطب قلمه والحوار هنا بين الزبيري وقلمه... وبين قلمه واحلام النوم كما أنه قد علت به هموم الشعب، وصنعت منه انساناً قوياً متفائلاً، يحاكم الطغاة، ويتقص للضحايا من الجلادين.. ويقول في قصيدته العظيمة (رثاء شعب) 

 

علت بروحي هموم الشعب فارتفعت * بها إلى فوق ما قد كنت ابغيه 

 

وخولتني الملايين التي قتلت * حق القصاص على الجلاد امضيه 

 

عندي لشر طغاة الارض محكمة * شعري بها شر قاضي في تقاضيه 

 

فقد حاول الزبيري بث افكاره التحررية والتسورية في ايقاظ الشعب.. وهنا دعوه صريحة للشعب إلى الثورة والكفاح ضد الطاغية الامام. تجد الزبيري يستعيد ثقته بشعبه ويطلب من الشعب أن يصحو: 

 

الشعب اعظم بطشا يوم صحوته * من قاتليه وادهى من دواهيه 

 

يا قوم هو الكفاح وناضلوا * أن المنام على الذمام حرام 

 

ولقد صبرتم نصف قرن لم يصن * اعراضكم صبراً ولا استسلام 

 

لن يبرح الطغيان ذئباً ضارياً * ما دام يعرف انكم اغنام 

 

فتكلموا كي يصدق انكم * بشر ويشعر انه ظلام

 

وتحركوا كي لا يظن بانكم * موتى ويحسب انكم اصنام