السبت 12-09-2026 23:45:25 م : 30 - ربيع الأول - 1448 هـ
آخر الاخبار

المرأة في جحيم مليشيا الحوثي.. من الاختطاف والسجن إلى التعذيب والتوظيف في مهام قذرة.!

الإثنين 24 أغسطس-آب 2026 الساعة 07 مساءً / الإصلاح نت - خاص

  

لم تكن المرأة اليمنية بمنأى عن الحرب التي أشعلتها مليشيا الحوثي، لكنها في مناطق سيطرة المليشيا وجدت نفسها أمام وجه آخر للصراع، أكثر قسوة وأشد التصاقاً بكرامتها وحياتها الخاصة.
فمع اتساع قبضة الحوثيين، تحولت ملاحقة النساء واختطافهن وإخفاؤهن قسراً إلى إحدى أدوات إخضاع المجتمع، لتبدأ معاناة الضحية منذ لحظة اقتيادها من منزلها أو مكان عملها، ولا تنتهي بالضرورة حتى بعد خروجها من مكان احتجازها.
نساء ناشطات وحقوقيات وإعلاميات وموظفات ومدنيات وجدن أنفسهن مختطفات أو محتجزات في ظروف غامضة، بعيداً عن أسرهن ومحاميهن والرقابة المستقلة.
وفي حالات موثقة، امتدت المعاناة إلى التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والتهديد بالاغتصاب والابتزاز وتلفيق الاتهامات، بينما تحولت السمعة والشرف إلى سلاح إضافي لكسر إرادة المرأة وإرهاب أسرتها.
وهكذا لم يعد اختطاف المرأة حادثة تنتهي باقتيادها من مكان إلى آخر، بل أصبح في بعض الحالات بداية لمسار من القهر يمتد من الاختفاء القسري إلى الاحتجاز والتعذيب، وصولاً إلى الاغتصاب أو التهديد به، ثم ترك الضحية تواجه آثار التجربة والوصمة بعد الإفراج عنها.

اختطاف لا يعرف الأهل أين ينتهي

تظل معرفة العدد الحقيقي للنساء اللواتي تعرضن للاختطاف والاحتجاز في مناطق سيطرة الحوثيين أمراً بالغ الصعوبة، بسبب غياب البيانات الرسمية القابلة للتحقق، ومحدودية الوصول المستقل إلى أماكن الاحتجاز، ووجود مرافق سرية لا تعرف الأسر في كثير من الأحيان مواقعها.
وأفاد تقرير لتحالف نساء من أجل السلام في اليمن، بوجود 1,714 امرأة معتقلة، بينهن 504 في السجن المركزي بصنعاء، و291 حالة إخفاء قسري في سجون سرية.
ولا تمثل هذه الأرقام حصراً نهائياً للضحايا، لكنها تكشف اتساع الظاهرة في ظل صعوبة التحقق المستقل من أعداد النساء المختفيات والمحتجزات.
وتشير تقارير وشهادات إلى اختطاف مليشيا الحوثي نساء من المنازل وأماكن العمل والأسواق، ثم نقلهن إلى مرافق احتجاز سرية، بعضها داخل مبانٍ سكنية، بعيداً عن أعين أسرهن والجهات الحقوقية والإعلامية.
وفي هذه اللحظة لا تغيب المرأة وحدها عن أسرتها، بل تغيب معها الطمأنينة، أم تنتظر ابنتها ولا تعرف أين اقتيدت، وأطفال يستيقظون على غياب أمهم، وأسرة لا تعرف هل ستعود ابنتها ومتى، أو حتى ما إذا كانت على قيد الحياة.
وتحدثت شهادات أيضاً عن استخدام الاختطاف وسيلة للابتزاز والاستنزاف، بما في ذلك إجبار أسر على دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عن محتجزات، أو إجبار النساء على التوقيع والبصم على أوراق يمكن استخدامها لاحقاً لتثبيت اتهامات أو روايات لم تتح لهن فرصة الدفاع عن أنفسهن بشأنها.

تهم تمس الشرف.. وعقوبة تتجاوز الجدران

من أخطر هذه الانتهاكات الحوثية استخدام سمعة المرأة وسيلة لمعاقبتها، فقد تحدثت تقارير وشهادات عن إلصاق اتهامات أخلاقية، بينها الدعارة، ببعض المحتجزات، واستخدامها لتبرير الاختطاف والاحتجاز أو ممارسة الضغط على المرأة وأسرتها.
وفي مجتمع شديد الحساسية تجاه سمعة المرأة، لا تبقى هذه الاتهامات داخل أماكن الاحتجاز، فقد تتحول إلى وصمة اجتماعية تلاحق الضحية بعد الإفراج عنها، وتدفع الأسرة إلى الصمت والعزلة، لتخرج المرأة وهي تحمل آثار جريمة لم ترتكبها.
وهنا تبلغ المأساة أحد أقسى مستوياتها: امرأة تُختطف، ثم تُحتجز، ثم تُهدد بسمعتها وشرفها، وقد تجد نفسها بعد الإفراج أمام مجتمع يحمّلها تبعات رواية صاغتها الجهة التي اختطفتها.

انتزاع الاعتراف تحت الألم

تكشف شهادة الناشطة الحقوقية المفرج عنها عائشة محمد أحمد جانباً من التجربة التي يمكن أن تواجهها النساء خلف الأبواب المغلقة في سجون مليشيا الحوثي.
وبحسب روايتها، داهمت عناصر من الزينبيات مقر عملها في منظمة حقوقية بصنعاء في أبريل 2019، واقتادتها معصوبة العينين إلى مكان احتجاز سري داخل مبنى سكني، حيث استمر احتجازها لأكثر من عام بعيداً عن أسرتها.
وتقول عائشة إن فترة احتجازها تضمنت الضرب بالهراوات والكابلات، والصعق بالكهرباء، ورش المياه الباردة ومواد كيميائية على مواضع الجروح، إلى جانب التهديد بالاغتصاب والتشهير وتلفيق اتهامات أخلاقية.
ومع استمرار التعذيب والضغط النفسي، تقول إنها اضطرت إلى تسجيل اعتراف مصور بتهم نفت صحتها، بعدما قيل لها إن ذلك سيؤدي إلى الإفراج عنها، قبل أن يستمر احتجازها أكثر من عام آخر.
وتكشف هذه الشهادة، وفق روايتها، أن الهدف لم يكن سلب الحرية فقط، بل كسر إرادة المرأة وانتزاع مادة يمكن استخدامها لاحقاً لتبرير اختطافها واحتجازها أمام الرأي العام.

تجنيد المختطفات للإيقاع بشخصيات معروفة

وكشفت شهادة المختطفة "انتصار الحمادي"، والمفرج عنهن من قبضة مليشيا الحوثي، عن محاولة المليشيا توظيفها وزميلتها يسرى في عمليات استدراج والإيقاع برجال أعمال وشخصيات معروفة، عبر تلفيق تهم أخلاقية وحيازة مخدرات بحق المستهدفين.
وقالت الحمادي في مقابلة مع قناة "اليمن اليوم"، إن عناصر حوثية عرضوا عليها وعلى يسرى العمل تحت مسمى "خدمة الوطن"، إلا أنها اعتبرت المهمة نوعاً من الدعارة، قبل أن يرد عليها أحدهم بأن ما سيطلب منهما القيام به لا يُعد دعارة أو ترويجاً للمخدرات، وإنما "دفاعاً عن الوطن".
وأوضحت أنها ويسرى رفضتا العرض، رغم الوعود التي قُدمت لهما بالحماية وتوفير سيارة، مشيرة إلى أن المهمة كانت تقوم على استدراج أشخاص إلى أماكن محددة، ثم وضع مخدرات في منازلهم التي لا تحتوي عليها، بهدف تلفيق تهم أخلاقية وقضايا مخدرات لهم.
وأضافت أن رفضهما التعاون أدى، بعد أيام، إلى اقتحام عناصر من الأمن والمخابرات التابعة لمليشيا الحوثي المكان الذي كانتا فيه واعتقالهما خلال ساعات الفجر، موضحة أن العناصر دخلوا أولاً إلى يسرى ثم اقتادوها هي أيضاً، وأن ما تعرضت له يسرى تكرر معها.
ووفقاً للحمادي، فقد كانت أعينهما مغطاة أثناء الاحتجاز، ولم تكن تعرف الأشخاص الذين يقفون أمامها، قبل أن يطلب منها أحد العناصر فتح هاتفها.
وقالت إنها حاولت إزالة الغطاء عن عينيها لفتح الهاتف، إلا أن أحد عناصر الأمن والمخابرات ضربها بأداة حادة على وجهها، مؤكدة أن آثار الضرب لا تزال ظاهرة حتى وقت الإدلاء بشهادتها.
وأشارت إلى أن العناصر تعمدوا إبقاء وجوههم مغطاة أثناء الاعتداء عليها حتى لا تتمكن من التعرف إليهم، لافتة إلى تعرضها للضرب مرات عديدة على الوجه، بالتزامن مع توجيه عبارات مهينة لها.

الاغتصاب والعنف الجنسي

لا تتوقف خطورة ما تتعرض له النساء عند الاختطاف والتعذيب، فقد وثقت الأمم المتحدة انتهاكات أكثر خطورة داخل مرافق احتجاز تابعة للحوثيين.
ففي عام 2021، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على القيادي الحوثي سلطان صالح عيضة زابن، الذي كان يشغل منصب مدير إدارة البحث الجنائي في صنعاء، وحمّله القرار مسؤولية مباشرة، أو بحكم سلطته، عن استخدام مرافق احتجاز متعددة في ارتكاب انتهاكات بحق النساء، شملت الاختفاء القسري والاستجواب المتكرر والاغتصاب والتعذيب والحرمان من العلاج، مع الإشارة إلى وجود فتاة قاصر واحدة على الأقل بين الضحايا.
وهذه الوقائع تجعل قضية النساء المختطفات أبعد بكثير من مجرد خلاف سياسي أو إجراءات أمنية، إذ ترتبط بانتهاكات جسيمة وقعت، وفق التوثيق الأممي، داخل مرافق يفترض أن تكون خاضعة للقانون وتحمي المواطنين.
وحين تتحول أماكن يفترض أن توفر الحماية إلى مواقع للاختفاء القسري والتعذيب والاغتصاب، فإن المأساة لا تطال الضحية وحدها، بل تكشف انهيار الوظيفة التي يفترض أن تؤديها المؤسسات الأمنية والقضائية، وتحولها إلى أدوات في منظومة القمع.

الزينبيات.. امرأة تطارد امرأة

لم تكتف مليشيا الحوثي بجعل المرأة هدفاً للاختطاف والاحتجاز، بل دفعت ببعض النساء إلى داخل منظومة القمع نفسها.
وتبرز كتائب الزينبيات في هذا السياق، بعدما ارتبط اسمها، وفق تقارير حقوقية وشهادات لمفرج عنهن، بعمليات ملاحقة واعتقال وتفتيش للمنازل وقمع للتجمعات النسوية، إلى جانب أدوار أمنية واستخباراتية وتعبوية.
ووثق تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات انتهاكات قامت بها المليشيا الحوثية النسائية التي تسمى "الزينبيات"، والتي بلغت أكثر من 1,444 واقعة انتهاك وتعسف شملت اختطافات واحتجازات تعسفية واعتداءات وضرباً وتعذيباً وانتهاكات جنسية.
ولم تتوقف هذه الأدوار عند الاختطاف، بل امتدت إلى مراقبة التجمعات النسائية وملاحقة الناشطات وجمع المعلومات، بما يجعل المرأة عرضة للمراقبة قبل أن تصبح ضحية للاختطاف والاحتجاز.
والصورة الأكثر مأساوية هنا أن المرأة التي يفترض أن تكون في دائرة الحماية قد تصبح أداة في قمع امرأة أخرى: امرأة تقتادها، وأخرى تفتش منزلها، وثالثة تشارك في حراستها أو التحقيق معها.

من الاختطاف إلى الاستغلال والتجنيد

توسعت منظومة السيطرة لتشمل استقطاب النساء والفتيات، مستفيدة في بعض الحالات من الفقر والحاجة والظروف التي فرضتها الحرب.
وتورد تقارير وشهادات حالات استقطاب لفتيات من المدارس والمراكز الصيفية، بدأت أحياناً بتوفير مستلزمات دراسية أو مساعدات محدودة أو وسائل نقل، قبل أن تتحول تلك الأنشطة إلى مساحات للتعبئة الفكرية ومحاولات جذب الفتيات إلى صفوف الزينبيات.
كما تحدثت مصادر عن إخضاع بعض السجينات لدورات ذات طابع أيديولوجي ثم تدريبهن عسكرياً، تمهيداً للاستفادة منهن في مهام تخدم المليشيا الحوثية.
وتكمن خطورة ذلك في أن المرأة التي دخلت المنظومة ضحية للاختطاف والقمع قد تواجه محاولة أخرى لإعادة توظيف حاجتها أو ضعفها في خدمة المنظومة نفسها.

أطفال يدفعون الثمن

ولا تتوقف آثار اختطاف النساء واحتجازهن عند الضحية، فبعض الأطفال قد يجدون أنفسهم داخل أماكن الاحتجاز مع أمهاتهم، بينما يدفع أطفال آخرون خارجها ثمن غياب الأم عن المنزل.
وتشير المصادر إلى وجود أطفال مع أمهاتهم داخل أماكن الاحتجاز، في ظروف لم يختاروها ولم يرتكبوا ما يبرر وجودهم فيها، بينما يحرم غياب الأم أطفالها الآخرين من رعايتها ويضيف إلى الأسرة أعباء نفسية ومعيشية قاسية.
فالطفل الصغير لا يستطيع فهم سبب غياب أمه أو وجودها خلف القضبان، ولا يدرك لماذا حُرم من المنزل والحياة الطبيعية. وهكذا يصبح اختطاف المرأة جرحاً يصيب الأسرة بأكملها، ويدفع أطفالها ثمن جريمة لم يرتكبوها.
حتى الإفراج لا يعني بالضرورة نهاية المأساة، فالمرأة التي خرجت من مكان اختطاف بعد التعذيب أو التهديد أو الاعتداء قد تجد نفسها أمام خوف جديد من الحديث عما تعرضت له، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعنف الجنسي أو الاتهامات الأخلاقية.
وقد تتحول التهمة التي استخدمت ضدها أثناء الاحتجاز إلى وصمة اجتماعية طويلة الأمد، فيما تبقى آثار الخوف والصدمة والتعذيب ملازمة لها ولأسرتها.
وبذلك لا تنتهي رحلة القمع عند فتح باب السجن، فقد تخرج المرأة بجسد حر، لكنها تحمل معها سجناً آخر من الخوف والوصمة والصدمة.

وصمة عار في سجل مليشيات الحوثي

تكشف قضية النساء المختطفات في سجون الحوثيين عن منظومة تبدأ بالملاحقة والاختطاف والإخفاء القسري، وقد تمتد إلى الاحتجاز والتعذيب والعنف الجنسي والابتزاز وتلفيق الاتهامات، ثم تترك الضحية تواجه آثار التجربة بعد الإفراج.
وخلف هذه الانتهاكات تقف قصص نساء فقدن حريتهن وأسر لا تعرف مصير بناتها وأطفال حُرموا من أمهاتهم، فيما تحولت بعض النساء، عبر الزينبيات، إلى أدوات في ملاحقة نساء أخريات.
إنها واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في سجل مليشيات الحوثي، ليس لأن المرأة حُرمت من حريتها فحسب، بل لأن جسدها وسمعتها وأسرتها وأطفالها أصبحوا جميعاً أهدافاً لمنظومة قمع تتجاوز الاختطاف إلى التعذيب والإذلال والاستغلال.
ومن هنا، فإن قضية المرأة في مناطق سيطرة الحوثيين لا يمكن اختزالها في أعداد مختطفات أو أماكن احتجاز، إنها قضية إنسانية تكشف كيف يمكن للاختطاف أن يتحول إلى بداية لجحيم طويل، وكيف يمكن أن تمتد يد القمع من لحظة اقتياد المرأة إلى ما بعد خروجها، تاركة وراءها أسراً مفجوعة وضحايا يحملن آثاراً قد لا تنتهي بانتهاء الاحتجاز والاختطاف.

تحذيرات من استمرار استهداف النساء

وفي السياق ذاته، حذرت الباحثة والأكاديمية اليمنية سلوى دماج من استمرار مليشيا الحوثي في اعتقال النساء واقتحام المنازل في مناطق سيطرتها، معتبرة أن هذه الممارسات تزرع الخوف والرعب بين المدنيين، وتمثل انتهاكات خطيرة لا ينبغي أن تمر بالصمت أو التجاهل.
وأدانت دماج، في منشور على مواقع التواصل، اختطاف الناشطة سحر الخولاني، مشيرة إلى وجود مئات النساء اليمنيات المختطفات لدى مليشيا الحوثي، ومؤكدة ضرورة تسليط الضوء على أوضاعهن وما يتعرضن له من انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.
وانتقدت الأكاديمية ما وصفته بغياب التعاطف والمساندة الكافيين مع النساء المعتقلات، مشيرة إلى أن بعض ردود الفعل تجاه قضية الخولاني ذهبت إلى التشكيك في روايتها واعتبار ما قامت به تمثيلاً أو تواطؤاً مع الحوثيين.
وتساءلت دماج عن دور الجهات المعنية بحقوق المرأة وحقوق الإنسان تجاه ما تتعرض له النساء اليمنيات، داعية إلى عدم تجاهل ملف المعتقلات وإبقائه حاضراً في دائرة الاهتمام الحقوقي والإعلامي.

كلمات دالّة

#اليمن