السبت 18-11-2017 : 29 - صفر - 1439 هـ

التغول الإيراني في البحر الأحمر وبحر العرب..رؤية تحليلية (الحلقة الثالثة والأخيرة)

الثلاثاء 14 نوفمبر-تشرين الثاني 2017 الساعة 02 مساءً / التجمع اليمني للاصلاح - خاص / عبده سالم
عدد القراءات (206)

 

ثانيا: على صعيد منطقة البحر الأحمر

الضفة الآسيوية
تراهن إيران على تحويل اليمن بحكم تنامي الحركة الحوثية واتساع تأثيرها إلى أهم منطقة حيوية في الجسم الإمبراطوري الفارسي الذي تعمل إيران حاليا على تخلقه وإنتاجه كنسق اجتماعي فاعل في المنطقة.
تكمن أهمية اليمن بالنسبة لإيران في أنها تمثل خط الالتفاف البحري الممتد من السواحل الإيرانية المتاخمة لبحر عمان حتى خليج السويس وصحراء سيناء، حيث الجبهة الخلفية للصراع الوهمي مع إسرائيل، باعتبارها الجبهة البديلة للصراع مع إسرائيل في حال فقدت إيران الاعتماد على حزب الله في جنوب لبنان...وفي ظل هذا الوضع تصبح حركة الحوثي كطليعة مسلحة ومدربة في اليمن هي البنية التحتية العسكرية الأمنية التي بإمكانها أن تمد هذه الجبهة بالعدة والعتاد والبشر عبر البحر لاسيما والحركة الحوثية لا تقل أهمية وفاعلية عن حزب الله في لبنان.
تعمل إيران على جعل الحركة الحوثية في اليمن همزة وصل للحوزات الدينية الإيرانية واللبنانية مع شرق إفريقيا مستفيدةَ من الموقع الاستراتيجي لليمن كبوابة عبور بحرية نحو إفريقيا وبوابة عبور برية نحو منطقة شبه الجزيرة العربية.
4-هناك ترتيبات إيرانية لجعل الحركة الحوثية في اليمن كأهم حوزة دينية وحضارية في المنطقة على النحو الذي يجعلها مصدر تأثير إسلامي وحضاري للمنطقة الإقليمية وبالتالي ستتحول منطقة صعدة من وجهة النظر الإيرانية إلى مركز رمزي للحوار بين المذاهب في منطقة شبه الجزيرة العربية إضافة إلى مركز حوار بين الأديان في منطقة شرق إفريقيا، من خلال توثيق التعاون الإيراني مع المركز الكنسي القبطي في الحبشة ومصر.

 

5- تسعى إيران في الوقت الحالي إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي لمحافظة صعدة باعتباره يقع في المؤخرة الجنوبية للنسق الجغرافي لسلالة أشراف الحجاز من أهل السنة، والذي يمتد من مثلث صعدة، الجوف، مأرب حيث العلويين الحوثيين، إلى الأردن شمالاً حيث الأشراف الهاشميين...وفي الوقت الحالي تفيد المعلومات بأن هناك جماعات مختصة بالأنساب بدأت تعمل على هذا الملف من خلال جمع المعلومات التاريخية والاجتماعية وصوغ المشجرات بما يؤدي إلى ادماج الحركة الحوثية كمذهب شيعي جارودي ضمن النسق السلالي لأشراف الحجاز من أهل السنة.

6- تضخ إيران المبالغ المالية الكبيرة عبر الحوزات الدينية الإيرانية لشراء مساحات شاسعة من الأراضي الواقعة على المنافذ البحرية المطلة على الساحل اليمني، ومن ثم أخذ عقود البيع إلى إيران لتوثيقها في ملكية المراكز الشيعية ضمن ما يسمى بالوقف الشيعي في المنطقة...هذا فضلاً عن شراء الأراضي والمنافذ البحرية خصوصاً في باب المندب وجزيرة ميون وجزيرة حنيش وساحل الحديدة – جيزان عبر المستثمرين الإيرانيين واليمنيين باسم المشاريع الزراعية والسكنية والسياحية ومناطق الغوص والحمامات وغير ذلك من المشاريع الاستثمارية...وفي هذا الصدد هناك معلومات غير معلنة تؤكد أن خارطة شراء الأراضي يشمل أيضاً أرخبيل الفرسان من أراضي (المملكة)، لاسيما جزر الأرخبيل المطلة على باب المندب وأيضاً الجزر السعودية القريبة من ميناء ميدي في الجنوب.

ب-الضفة الإفريقية

في الآونة الأخيرة تمكنت إيران من اختراق العديد من مجتمعات منطقة البحر الأحمر من خلال استخدام المؤثرات المذهبية والسلالية في هذه المجتمعات الفقيرة التي تنتشر فيها الخرافة والتبرك بالقبور؛ وهو ما شجع الإيرانيين في الدفع بالمزيد من الرحلات الدينية إلى هذه المناطق إلى جانب الهجرات (اللبنانية الشيعية المستقرة في هذه المنطقة استقراراً مؤقتاً أو دائماً)...أبرز هذه الاختراقات ما يلي:-

تعمل إيران على ترويض «النجاشيين» في منطقة «النجاشي» في إقليم «التجراي» في شمال إثيوبيا باعتبار هذه المنطقة استقبلت أول عملية طرد لآل البيت لمجموعة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من قبل المجتمع القرشي، وبالتالي يعتبر سكان هذه المنطقة في نظر الإيرانيين هم من أشراف آل البيت رغم أن هذه المنطقة تقع في نطاق مملكة «أكسوم» التاريخية وهي مملكة لشعب قحطاني أصيل كامتداد طبيعي لمملكة «سبأ» في «مارب» اليمنية...الملاحظ في هذا الوضع أن الرحالة الإيرانيين واللبنانيين الذين يفدون إلى هذه المنطقة عادة ما يستخدمون مصطلح (طرد) لمجموعة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وليس (هجرة) بما يوحي بالمظلومية التاريخية، وأيضاً تحميل المملكة العربية السعودية مسؤولية هذه المظلومية باعتبارها وارثة السيادة عن المجتمع القرشي تاريخياً وبالتالي فهي ملزمة بالتعويض والاعتذار لإيران كدولة مدافعة عن الحقوق التاريخية لآل البيت، على غرار المسؤولية التاريخية للعثمانيين تجاه الأرمن.
تسعى إيران إلى طمس التراث الديني السني العثماني في أثيوبيا وخاصة وأن لتركيا إرث ديني وتاريخي لا يزال له حضوره الفاعل، لاسيما وأن شعب «هرر» المسلم أحد الشعوب الأثيوبية الذي يعتبر من أهم أصول القومية التركية المتجذرة في هذه المنطقة.
استغلت إيران حالة اضطرابات الربيع العربي في كل من مصر واليمن؛ وبالتالي أجرت جملة من المسوحات الاستخباراتية في منطقة ضفتي البحر الأحمر، ونشرت العديد من الخلايا الأمنية في مجتمعات هذه المنطقة، وفتحت اعتمادات مالية لإعادة تشغيل بعض الخلايا المتوقفة عن النشاط والتي كانت تمول من الرئيس القذافي سابقاً.
جندت إيران العديد من الصيادين اليمنيين والإريتريين للعمل في مهام أمنية استخباراتية، ومنحت الذين يعملون في منطقة الاصطياد الممتدة من باب المندب وحتى مدخل قناة السويس زوارق اصطياد حديثة.
كما أن السفن الإيرانية تستطيع أن تجوب بحر العرب بحرية كاملة حتى تصل إلى خليج عدن بحكم عضويتها في النظام الأمني لمنطقة بحر العرب، إلا أنها لا تستطيع الولوج إلى البحر الأحمر كونها لا تنتمي إلى هذا النظام...ولتجاوز هذا الحظر سعت إيران إلى تشبيك علاقتها بإريتريا واستأجرت بعض القطاعات الساحلية في جزيرة دهلك حتى تتمكن من اختراق النظام الأمني للبحر الأحمر عبر هذا الوجود الحيوي لها في أرخبيل دهلك الإريتري إلا أن التحالف العربي تمكن مؤخراً من استيعاب النظام الأرتيري وموقع أرتيريا الجغرافي الهام ضمن الأداءات الاستراتيجية العسكرية للتحالف العربي، وهو ما أفقد إيران أهم حليف في جنوب البحر الأحمر.

ثالثا: ما بين الضفتين الآسيوية والإفريقية (باب المندب)

تسعى إيران إلى استغلال قضية الوجود الإسرائيلي في منطقة البحر الأحمر، واستثماره على النحو الذي يساعدها في تقديم نفسها كطليعة إسلامية مقاومة لهذا الوجود من خلال الإعلام والنشر والتهريج عبر وسائلها الإعلامية التي تهدد وتنذر وتعلن عن قرب المواجهة مع إسرائيل على النحو الذي يؤدي إلى حالة من التصادم الأمني بين نظام بحر العرب بقيادة إيران والبحر الأحمر بقيادة إسرائيل وبالتالي إحياء الصراع التاريخي الروماني، الفارسي في هذه المنطقة.

هدف إيران من استثمار هذا الوجود الإسرائيلي على هذا النحو هو فرض حضورها الاستراتيجي العسكري والأمني في هذه المنطقة....أي أن إيران تستخدم شماعة الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة لشن حربها على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر بذريعة أنها دول حليفة لإسرائيل، وفي المقدمة المملكة العربية السعودية أكبر دول البحر الأحمر مكانة وتأثيراً...هذا يعني أن إيران في حقيقة أمرها غير جادة في خوض حرب مباشرة ورسمية باسم الدولة الإيرانية ضد إسرائيل، وإنما تستخدم شماعة الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة كذريعة لشن الحرب على الدول العربية وإخراجها من المعادلة الأمنية للبحر الأحمر باسم الحرب ضد إسرائيل، ومن ثم تقديم نفسها وركائزها وأدواتها للرأي العربي والإسلامي كعدو حقيقي لإسرائيل، وهو ما يعني التعريض السلبي بهذه الدول وتلطيخ سمعتها أمام شعوبها فضلا عن التحريض عليها باعتبارها دول حليفة لإسرائيل في هذه المنطقة.

هذا الاستغلال الإيراني البشع للوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة يعتمد في حقيقة الأمر على الصراخ الإسرائيلي المستمر، في حال تمكنت إيران ممن تعزيز حضورها الأمني في البحر الأحمر، وباب المندب، وساحل عصب، وبالتالي استخدام المنافذ البحرية في هذه المنطقة لتهريب السلاح إلى المقاومة الفلسطينية في غزة.

هذا الصراخ الإسرائيلي من النفوذ الإيراني في المنطقة، تتخذ منه إيران عاملا مساندا لما تروج له إيران ضد السعودية وبقية الدول العربية المطلة على البحر الأحمر باعتبارها الدول الحليفة لإسرائيل من وجهة النظر الإيرانية، والحقيقة في الأمر هي غير ما تقوله إيران وتهدد به من احتمالات قرب المواجهة مع إسرائيل، وغير ما تتجاوب معه إسرائيل وتصرخ منه من احتمالات حدوث التهديد الإيراني لها، لأن تحركات الدولتين(إيران وإسرائيل) في المنطقة بإيقاعاتهما المتناغمة لا تشكل في حقيقة الأمر سوى تحدياً مباشراً لمصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، فإيران تستخدم لغة المواجهة مع إسرائيل بهدف تعزيز تواجدها في بعض الممرات البحرية والبرية في البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الأفريقي، وغيرها من المنافذ القريبة من مناطق الأزمات لاسيما منطقة الصراع (الإسرائيلي -العربي).

وإسرائيل -من جهتها-تستثمر مخاوفها المبالغ فيها من التهديد الإيراني لمخادعة العالم سعياً منها للانفراد بترتيب الأوضاع في منطقة البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي بمعزل عن دول البحر الأحمر.

الدول العربية المطلة على البحر الأحمر وفي المقدمة (المملكة) من حقها أن تقلق جداً من استخدام إيران لتواجدها بالقرب من مناطق الأزمات للدخول في صراع وهمي (وليس مواجهة حقيقة) مع إسرائيل، على النحو الذي يوفر لها أي (إيران) ورقة ابتزاز تستطيع استخدامها للضغط في اتجاه ضمان نفوذها في المنطقة بالقدر الذي يتلاءم مع مركزها الإقليمي الجديد.

بتعبير أوضح: إن قلق دول البحر الأحمر في الأساس هو في أن تتحول هذه المنطقة إلى ساحة صراع وهمي بين إيران وإسرائيل ومعها الغرب باعتباره الصراع الذي يسبق التسوية بينهما واقتسام النفوذ على حساب المصالح العربية الاستراتيجية.

الأمر الأهم الذي يقلق دول البحر الأحمر هو الخوف من أن تخوض إيران هذا الصراع بأدوات غير أدوات الدولة الإيرانية الرسمية، فرغم أن الوجود الإيراني في هذه المنطقة واضح ويخدم السياسة الإيرانية الخارجية رسمياً؛ إلا أن الصراع القادم الذي تلوح به إيران في هذه المنطقة لن يتم باسم هذا الوجود الإيراني رسمياً...أي أن إيران ترتب لتفجير هذا الصراع بأدوات غير أدوات الدولة الإيرانية الرسمية...أي أنها أدوات عادة إما (مذهبية_ صراعات أثنية_ تمييز سلالي_ تشبيكات اجتماعية_ ادعاءات تاريخية_ حروب دينية_ ادعاء نبوات_ تجهيل ديني...وغير ذلك من الأدوات بما في ذلك التشبيكات الاستخباراتية والتنسيقات الأمنية مع عصابات المافيا وكارتيلا المخدرات وغير ذلك من الأدوات غير الرسمية، ناهيك عن أن بعض هذه الأدوات غير مرئية وبعضها الأخر غير إيرانية، وهذا الأمر واحد من بواعث قلق الدول العربية والإسلامية إذ أنه يصعّب عليها التعامل مع هذا الصراع بالأدوات الرسمية للدول العربية ...أما الهدف الإيراني النهائي من خوض هذه الحرب الوهمية مع إسرائيل هو السيطرة على الخط البحري الممتد من ساحل عمان المتاخم للمياه الإيرانية حتى خليج السويس المتاخم لصحراء سيناء المصرية القريبة من غزة، وهو الخط الذي يمر بالمياه اليمنية في بحر العرب، وخليج عدن، وباب المندب، ومن ثم الدخول إلى البحر الأحمر وصولاً إلى خليج السويس وسيناء وغزة...أي أن هذا الخط البحري بلغة الحروب هو خط التفاف يستخدمه المحارب الإيراني انطلاقاً من اليمن عبر باب المندب والبحر الأحمر وصولاً إلى سيناء حيث الجبهة الخلفية للصراع مع إسرائيل باعتبار هذه المنطقة تمثل لإيران ساحة صراع بديلة مع إسرائيل، يمكن لإيران فتحها في حال فقدت السيطرة على سوريا ولبنان وأدواتها الوهمية في حزب الله وذلك قبل الوصول إلى التسوية النهائية التي بموجبها تضمن إيران نفوذها الإمبراطوري المعتبر في المنطقة.

الخلاصة:

خلاصة ما يمكن قوله في ختام هذه الرؤية التحليلية أن التغول الإيراني في منطقتي البحر الأحمر وبحر العرب هو مشكلة عويصة ولابد من مواجهتها ضمن مسار استراتيجي واضح ومتكامل...عسكري، أمني، اجتماعي، إعلامي، وغير ذلك من الإجراءات التي تتناسب مع حجم المشكلة.

 

قبل التوجه إلى حل المشكلة لابد أولاً من العلم والإحاطة بها ...ولا أقصد هنا العلم والإحاطة بالمشكلة بشكلها الظاهري، لأن المشكلة في وضعها الظاهري والمجمل معلوم لدى الجميع ولكن المطلوب العلم بتفاصيل المشكلة وجزئياتها وتربيطاتها وحاضناتها الاجتماعية وما خفي منها إذ أن التهديد عادة ما يأتي من الأمر الخفي أما ما ظهر فيمكن مواجهته رسميا وإجرائيا.

على هذا الأساس أقول: بأن أدوات الصراع الإيرانية غير الرسمية وغير المرئية في منطقة النظامين الأمنيين للبحر الأحمر وبحر العرب بحاجة إلى فهم...بحاجة إلى كشف...بحاجة إلى تحليل...بحاجة إلى رصد...بحاجة إلى العيش بالقرب منها ومن مؤثراتها... والأهم من ذلك هي بحاجة إلى رؤى ومشاريع ومقترحات لمواجهتها من خلال واقع إجرائي وميداني من الرصد والاستقراء وجمع المعلومات لعناصر المشكلة بأبعادها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتشبيكات الحاضنة لها والمصالح التي تنطلق من خلالها تمهيداً لمواجهة شاملة متعددة الأوجه والمسارات... انتهى

  

* عبده سالم

- كاتب ومحلل سياسي يمني.

- خبير استراتيجي مهتم بمنطقة جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

مواضيع مرتبطة
كلمة حرة
من أجل مواجهة جادة للإرهاب في اليمن
الاٍرهاب خطر وتحدي وكارثة ولأجل مواجهة جادة له يحتاج العالم ان يجد في اليمن دولة لا ساحة مفتوحة لتكاثر الجماعات والمليشيات ، فالإرهاب فطر يتكاثر في منطقة الخراب الناتج عن سقوط الدول. تكاثرت الجماعات واللافتات في اليمن إثر اسقاط الدولة مما جعل اليمنين محاصرين بتهديدين : تهديد غياب الدولة وتهديد ما ينشأ في ساحة فراغها من سلطات تريد ان ترثها وتحل محلها وبطبيعة الحال هي سلطات تفرض نفسها بالقوة وليس بموجب التزامها بالقانون وهو ما يجعلها الشرط الأولي لميلاد العنف الصفة الملازمة للإرهاب ، وحين يغيب القانون تحتفي العدالة التي تحمي الناس من بطش الاشرار وليست الع ....عرض المزيد
إعلن معنا