السبت 20-10-2018 12:31:39 م : 10 - صفر - 1440 هـ
آخر الاخبار

القرآن الكريم، باعتباره ضمانة قومية وسياسية

الخميس 17 مايو 2018 الساعة 11 مساءً / افصلاح نت - خاص/ ثابت الأحمدي
عدد القراءات (3604)

 


إلى جانب كون القرآن الكريم كتاب روح وهداية، وموجه عام لحياة البشرية، فهو أيضا ضمانة قومية وسياسية للأمة العربية على وجه التحديد، كما هو كذلك للأمة الإسلامية جمعاء.
ما يغيب عن ذهنية البعض أن القرآن الكريم حين تنزل في عهد الرسالة كادت العرب آنذاك أن تفقد وحدتها اللغوية، بحكم تعدد اللهجات التي اتسعت حتى لكأن كلَّ لهجة لغةٌ مستقلة، أو شبه مستقلة، كما سنبين، وهي ظاهرة طبيعية بين اللغات؛ إذ تتفرع لهجاتها وتتعدد، كما هو الشأن نفسه ابتداء مع اللغة العربية ذاتها، إحدى فروع اللغة السامية الأم.. وكما هو الشأن أيضا مع اللاتينية التي تتحدر جميعها من أصل واحد، وإن كانت غير بعيدة عن السامية القادمة من بلاد الشرق، حسبما يفترض الكثير من الدارسين، وحسبما تشي بعض أبجديتها المتوافقة مع الأبجدية العربية، وهذا موضوع يطول شرحه..إلخ.
قديما ــ ومع بداية عصر الإسلام ــ كاد الاغتراب اللغوي أن يفرض سطوته على اللسان العربي، إلى حد قول أبي عمرو بن العلاء: "ما لسان حمير بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا" بصرف النظر عن الجدل المستعر الذي أثاره المستشرق "مارجليوث"، وتبناه ــ عربيا ــ تلميذه طه حسين، دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتقصي، لاستقراء الفكرة من جميع جوانبها، وهي إحدى زلاته، وهو أحد البحوث المهمة المؤجلة لدي، لأهميته، مع أن الأديب أحمد محمد الشامي قد أشار في كتابه تاريخ اليمن الفكري إلى أن الدكتور طه حسين قد عدل عن فكرته مؤخرا، إلا أننا لم نجد ما يؤكد ذلك عمليا من طه حسين نفسه.
وللقارئ أن يتخيل أن هذا الاغتراب اللغوي داخل الجزيرة العربية نفسها، على الرغم من وحدتها الجغرافية والتجارية يومها، فما بالك بالحال مع أطراف الجزيرة في الشام وبلاد المغرب ومصر آنذاك؟!!
وإلى جانب هذه المقولة الشهيرة التي انطوت على كثير من الجدل، فثمة دليل أكثر صراحة، وخالٍ من أي جدل، وهو حديث أبي هريرة لما قدم من دَوْس عام خيبر، لقي النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وقد وقعت من يده السكين، فقال له: "ناولني السكين"! فالتفت أبو هريرة يمنة ويسرة، ولم يفهم ما المراد بهذا اللفظ؛ فكرر له القول ثانية وثالثة، وهو يفعل كذلك، ثم قال: آلمدية تريد؟ وأشار إليها، فقيل له: "نعم"! فقال: أو تسمى عندكم سكينًا؟ ثم قال: والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ، ودَوْس بطن من الأزد. وهم عرب أقحاح، وبينهم وبين قريش صلة وقربى، ومع هذا لم يكونوا يعرفون معنى "السكين".!
باختصار.. كان القرآن الكريم هو المنقذ الذي وحد لغات الناس، وقد كانت على شفا التفرق، وبتوحيد لغتهم، ــ ومع الدين الجديد ــ توحدوا سياسيا واجتماعيا وثقافيا، فبنوا حضارة، وكان لهم من المجد ما لهم. وكل ذلك بفضل الكتاب الجديد "القرآن الكريم" الذي وحد ألسنتهم، كما وحد عقولهم.
وقد وضح الأصفهاني في موسوعته اللغوية "الأغاني" كثيرا من مظاهر هذا الاختلاف وعوامله، كالكشكشة والكسكسة والطمطمانية والغمغمانية واللخلخانية، وغيرها، إلى حد أن بعض اللهجات العربية قد مست قواعد اللغة نفسها، المتعارف عليها، معنى ومدلولا، لا ظواهرها الصوتية أو تغيراتها الصرفية فحسب؛ ولابن جني في "الخصائص" أيضا ما له، وكثير من كتب اللغة وتاريخها، وخاصة تاريخ آداب العرب للرافعي.
والدارس للغة العربية بعمق وتبحر يدرك كمَّ ومقدار الألفاظ العربية "القاموسية" التي لم ترد في القرآن الكريم، والتي أسقطت تماما من تعاملاتنا اليومية، وصارت غريبة علينا اليوم، كما صرنا عنها غرباء، ومن يحاول أن يتكلم بها اليوم عُد من المتحذلقين؛ بل لن يفهمه أحد، وسيكون حاله كمن يتكلم بلسان أعجمي بيننا. وأكاد أجزم اليوم أنه لولا القرآن الكريم لفقدنا بلدانا عربية كثيرة، كمصر وبلاد المغرب، وأطراف العراق والشام؛ بل لن يفهم الجنوبي لغة الشمالي من الجزيرة العربية نفسها. وللمُنظِّر العروبي المعروف الدكتور ساطع الحصري كلام مهم فيما يتعلق باللغة ودورها في الوحدة بين الناس..
ما تنبغي الإشارة إليه هنا، القواميس وصناعتها، فإنها بقدر ما خدمت اللغة وحفظت كثيرا من معانيها، فهي أيضا ــ ومن جه وآخر ــ قد جنت جناية كبرى على جزء منها، من خلال ما تم نسيانه، أو تناسيه، ولم يتم تضمينه أو الإشارة إليه، وما لم يتم تضمينه القواميس ربما أكثر، خاصة من لغة الجنوب، أهل الإعراب الأوائل حسب إشارة حسان بن ثابت، شاعر الرسول، إلى حد اعتقاد البعض أن أي لفظة لم ترد في أي معجم من معاجم اللغة ليست عربية، ولا يعتد بها. وهو وهم أساسه التعصب، أو الجهل؛ لأن لغة قريش هي اللغة الجامعة للعرب بعد الإسلام؛ لكنها لم تكن الوحيدة. وهنا كلام قد يطول شرح تفاصيله. وللمستشرق "بروكلمان" كلام مهم في "تاريخ الأدب العربي"، لا يسعفني الوقت للعودة إلى تفاصيله.
ختاما.. لغتنا اليوم تعاني الضياع، ولاستعادة دورها الريادي يجب أن تكون هناك استراتيجية عربية كبرى للاضطلاع بالدور السياسي والقومي للغة العربية، من خلال الاهتمام بكتاب الله عز وجل، ومن ذلك مدارس تحفيظ القرآن الكريم التي يجب أن تُدعم، ليس محليا فحسب؛ بل وعلى كل الشطوط الجغرافية المحيطة بالعرب، كشرق أفريقيا وشمال العراق "تركيا وإيران" وشطوط البحر الأبيض المتوسط كاملة.. فلا شيء يفتق اللسان ويحفظ الفصاحة كالقرآن الكريم، حفظا وتجويدا.