وداعا أبا مالك
الشيخ/معاذ غازي هائل
الشيخ/معاذ غازي هائل
 

في سابقة خطيرة وفي وضح النهار وعلى قارعة الطريق وأمام أعين الناس راكبين وراجلين, تعترض السيارة التي يستقلها شخص مسلح ويمطر الشيخ فائز امام وخطيب مسجد عبدالرحمن بن عوف بست رصاصات غادرة تخترق الجسد البريء, فلا حديث هنا عن أمن و لا أمان.
الغريب أن هؤلاء القتلة يرتكبون جرائمهم بكل سكينة واطمئنان وكأنهم في مأمن من العقاب الدنيوي والاخروي معاً.
قتل الشهيد فائز بست رصاصات وكأنها محسوبة, فالرصاصة الأولى قتلوا بها القلب الصافي و البسمة البريئة التي تحلى بهما و بهما عرف واشتهر عن الكثير من اقرانه.
وفي الرصاصة الثانية قتلوا بها الوسطية و الاعتدال والدعوة السمحة التي كانت دينه وديدنه, حتى اخر يوم من حياته, فما عرف عنه إلا ذلك في مجالسه وخطبه ونقاشه.
أما الرصاصة الثالثة فقد قتلوا بها مائدة القرآن وعلومه ومسابقته في رمضان حيث كان يرعاها في مسجده, قتلوا تلك الحلقات التي كان يشرف عليها, والشباب الذين كانوا ينهلون منه ومن عمله الغذير وافكاره السمحة, فلا اكاد اصدق أن ذلك الإنسان الذي يقف على تلك الزاوية في المسجد سيغادرها الى غير رجعة.
والرصاصة الرابعة قتلوا بها الجود وأعمال البر والاحسان التي كانت من سمات شهيدنا بلا منازع, يعرفه الفقراء والمساكين في الحي الذي يسكن فيه واحياء أخرى, عرفه الجميع بيد بيضاء تعطي في اليل والنهار وتحث على الخير دائماً وابداً بلا كلٍ أو ملل.
الرصاصة الخامسة قتلوا بها العلم والتفوق والسعي للرقي والتطور كان يعد العدة لمناقشة رسالة الماجستير, حيث أوراقها لازالت متناثرة بين يدي شرفني بالاطلاع عليها منذ وقت قريب, فقد كانت عيناه على الدكتوراه, كانت نظرته الى المستقبل الذي يحلم به, يتسلح بالعلم والمعرفة كي يعود الى وطنه يشارك في بناءه بالعلم الذي نفتقده كثيراً.
الرصاصة السادسة قتلوا بها صوت الحق وامام التنوير وليس التكفير أو التفجير بل خطيب السلام و حبيب الناس الجامع للمؤتلف و المختلف معه, فمن هذا الذي لا تأسره تلك الخطب والمحاضرات والندوات, من هذا الذي لم يأت لأول وهلة ويستمع له خطبة وتأسره ويعود إلى المسجد ثانية وثالثة بلا نهاية، انها خطيب الوسطية الذي كان دائماً ما يحذر من الفساد والعبث ويدعوا الى السلام وترك السلاح والاحتكام الى العقل والدين فالمسلم أخ المسلم.
آه .. كم هو القهر عندما يعود الى زوجته جسدا منخولا, مزقته الرصاص وينطرح جثة مخضبة بالدماء بين يدي والده المسن وأولاده الصغار, آخرهم طفل رضيع لم يتجاوز الاشهر من عمره.
استودعناك الله يا أبا مالك وتقبلك في الشهداء، وألبس الله أهلك وذويك ومحبيك الصبر و الاحتساب، وإنا لفراقك لمحزنون، ولا نقول الا ما يرضي ربنا:
إنا لله و إنا إليه راجعون.

  


الشيخ معاذ غازي هائل*
إمام وخطيب مسجد جوهر بعدن


في الأربعاء 13 ديسمبر-كانون الأول 2017 06:47:53 م

تجد هذا المقال في موقع التجمع اليمني للإصلاح
http://alislah-ye.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alislah-ye.net/articles.php?id=274