الفلسفة السياسية قراءة في أدواتها
الدكتور/أبو يعرب المرزوقي
الدكتور/أبو يعرب المرزوقي

تمهيد:

لعلي قد أغفلت مرحلة كان ينبغي البدء بها في عملية ترشيد الثورة والثوار خدمة لمشروع الاستئناف الذي هو الشرط الضروري والكافي لتوحيد الأمة.

 

وقدد حانت المناسبة لتدارك هذا الإغفال تكريما لثوار الشام و إحياء لعيدها الخامس الذي أثبت الرشد الثوري الحقيقي جمعا بين المناورة الدبلوماسية والإقدام النضالي في ساحة القتال.

 

فالكلام في مقومات مشروع الاستئناف الجزئية وتفصيلاتها قد يحول دون الشباب ورؤية الصورة الكاملة لشروط تحقيقه على مهل وبروية استراتيجية حكيمة.

 

تكلمت في الاستراتيجيات وفي المرجعيات وفي العلاجات الظرفية وذلك منذ أربعة عقود وخاصة بداية من سبعينات القرن الماضي بمنطق ما يطرأ من أحداث.

 

مسألة العلم الرئيس

وكان ينبغي أنأ ابدأ بما ينبغي البدء به:

فما المقصود بفلسفة السياسة أو بما يسمى في الدراسات الأكاديمية بعلوم السياسة أو علم رعاية الجماعة؟

فهذا العلم أشد تعقيدا من العلم الرئيس في الفلسفة القديمة والوسيطة والكلاسيكية والحديثة وما بعدها لمناظرته شؤون الجماعة ومنها العلم الرئيس.

وتلك هي العلة في تحير أرسطو في المفاضلة بينها وبين الميتافيزيقا إلى أي منهما يمكن أن ينسب دور العلم الرئيس أو علم “ارشيتاكتونيك” المعرفة كلها.

وهذا العلم الرئيس سمي كذلك لأن من المبادئ المنطقية أن كل علم خاص يتسلم موضوعه ومنهجه دون محاولة تأسيسه لتجنب الدور والتسلسل.

وهي قاعدة تحداها إبن خلدون في وضعه لعلمه إذ ظن أنه خالف هذه القاعدة المنطقية ولم يكن يدري أنه بذلك قد جعل علمه البديل من العلم الأرشيتاكتونيك التقليدي.

صحيح أن أرسطو قد حسم الأمر في النهاية وقدم الميتافيزيا على السياسة -أخلاق نيقوماخوس- حتى وإن كان ما كتبه في هذه لا يقل كما وكيفا عما كتبه في تلك تنظيرا وتطبيقا.

لكن ابن خلدون فضل الحل المقابل فاعتبر الميتافيزيقا هي بدورها ظاهرة تابعة للسياسي بهذا المعنى من حيث هو رعاية لشؤون الجماعة النظرية والعملية.

ذلك أن الارشيتاكتونيك التي يعود إليها تأسيس كل ما تتسلمه العلوم الخاصة موضوعات (نظرية الوجود) ومناهج (نظرية المعرفة) ترجع في الغاية إلى ما يمثل “معتقدات” حضارة ما تعتبرها ممثلة لعين العقل والحكمة.

والمعلوم أن أوغست كونت وازن بين الموقفين فاعتبر المسألة ذات وجهين أحدهما يقدم فلسفة العلم والثاني يقدم فلسفة العمل.

وعلمهما مواز لهما في تقديم المنازل وتأخيرها.

 

ما حقيقة السياسي؟

فلنحاول التقدم لمعرفة طبيعة “العناية بشؤون الجماعة” ماذا تعني؟

ما طبيعة العناية بشؤون الجماعة؟

ما معنى العناية بالعمل على علم (تعريف مؤقت للسياسة) أولا وشؤون الجماعة ثانيا؟

 

ولنضرب مثالا ييسر التعريف:

فبين عندما أقول “اقتصاد سياسي” أن القصد ليس سياسة الاقتصاد بل الاقتصاد الذي يخص الجماعة بما هم جماعة ذات دولة كقولي “اقتصاد منزلي”.

اقتصاد سياسي تعني اقتصاد المدينة باليوناني في مقابل اقتصاد المنزل بنفس المعنى.

ومن ثم فالوصف “سياسي” نسبة إلى مجال الانطباق وليس إلى السياسة بمعنى فن إدارته.

 

فهل قولي ”علوم السياسة” من جنس قولي ”الاقتصاد السياسي” فتكون “سياسي” غير مقصورة على فعل السياسة بل تشمل ”الظاهرة السياسية” أي الجماعة ذات النظام المؤطر لأفعالها والذي يسمى دولة؟

ففعل السياسة بمعنى فعل الحكم السياسي جزء ضئيل من الظاهرة السياسية كشؤون جماعة ذات دولة أي ذات شؤون منظمة بكيان خلقي قانوني هو صورتها.

 

وإذن فتعريف السياسي مشروط بتعريف الكيان الذي فيه وبه يتحقق هذا الفعل لرعاية الشؤون العامة للجماعة بعدة طرق مجملها يسمى سياسة.

 

التعريف الخلدوني

والتعريف الخلدوني للسياسي لم يجد اسما مناسبا فضمه إلى ظاهرة هو صورتها: ”العمران البشري (المستوى الأول) والاجتماع الإنساني (المستوى الثاني) من كيان الجماعة الذي يكون السياسي نظام رعايته.

فيكون مفهوم السياسي هو في آن

العلم بعمل صورة العمران البشري والاجتماع الإنساني بلغة ابن خلدون

والعمل على علم بذلك اي الحكم به من خلال مؤسسات الصورة بصنفيها.

وصنفا مؤسسات الصورة هما

شرطا الشرعية (الأخلاق والقانون)

وشرطا الشوكة (العصبية والحامية)

ويجمع بينهما مرجعية الجماعة الحضارية وتكون دينية وثقافية عامة.

 

ومعنى ذلك أن رعاية شؤون الجماعة تعني هذه العناصر الخمسة:

1 و2- الشرعية بعنصريها

3 و4- والشوكة بعنصريها

5- والمرجعية هي لحمة الأخلاق الموضوعية أو العرف الذي يمكن أن يصاغ في نصوص (الدستور والقوانين).

 

لكن الصورة بهذا المعنى تبقى ملتبسة لأنها ينبغي أن تتفرع إلى اختصاصات محددة في علم السياسة كعلوم مساعدة أو كعلوم أدوات للعلاج النظري (علم السياسي) والعلاج العملي (عمل السياسي).

ومن المفروض أن تكون في “الكوريكولوم” التكويني لدارسي السياسة أو ما ينبغي أن يكون إذا قبلنا بالتعريف الخلدوني الذي هو أشمل تعريف لحد الآن كما سنبين.

وهي التالية:

القوى السياسية ومرجعياتها وأنظمة الحكم ووظائفها

وهو يصنفهما كليهما بعنصري كل منهما تصنيفا جامعا مانعا لم يسبقه إليه غيره ولا أعتقد أنه قد تم تجاوزه إلا بالاصطلاح.

 

التعريف الخلدوني والتعريف اليوناني

بخلاف اليونان يرفض ابن خلدون المصفوفة الأفلاطونية الأرسطية للأنظمة ذات الخانات الستة (عدد الحكام واحد أو قلة أو كثرة في نوعي أخلاقهم فاضل وراذل).

ويقترح الأنظمة التالية:

الطبيعي السابق واللاحق وهو الأصل اي سلطان القوة الخالص.

ثم نجد بين الشكل السابق والشكل اللاحق من الطبيعي صنفي العقد العقلي وصنفي العقد الديني

والجامع بين الأصناف.

 

وهي إذن خمسة أنظمة أولها يكون بداية وغاية تنكص إليها الأنظمة الوسيطة بين البداية والغاية عقد حكم الديني بصنفيه وعقد حكم العقلي بصنفيه والعقد المزيح بين النوعين لضرورة الوزعين (الأجنبي والذاتي).

وحالتا الحكم الطبيعي بداية وغاية يغلب عليهما الطابع الفرضي أي أن التاريخ المعلوم لا يثبتهما إلا كبداية وغاية نشأة وزوالا للدول لأنهما يمثلان الذهاب إلى الغاية في فقدان ما في ما بينهما يفترضهما.

لكنهما ليسا من جنس الحالة الطبيعية في فلسفة السياسة التي انطلقت منها المرحلة الكلاسيكية الأوروبية بداية ونهاية أو صعودا ونزولا في كل حضارة إذ تنشأ بداية وتنحط غاية.

 

فتبقى أصناف العقود الخمسة:

الديني(طاعة الحاكم بشرط بطاعة الله) بصنفيه المخادع والصادق

والعقلي(طاعة الحاكم المشروط بتحقيق مصلحة المطيع) بصنفيه المخادع والصادق

والعقد الجامع بينها جميعا للتلازم بين الصدق والخداع في السياسي.

 

فالعقلي مخادع وصادق وقد بينهما ابن خلدون عندما ميز بين عقد الحكم العقلي لصالح الحكام وحدهم وعقد الحكم العقلي لصالح الحاكم والمحكوم

والديني لم يشر فيه ابن خلدون لهذه المقابلة وكان ينبغي أن يفعل لأن الدين يمكن أن يكون أفيونا ويمكن أن يكون تنويرا فيكون عقده لصالح الطبقة الدينية وحدها أو لصالح الجماعة كلها.

 

والواقع الإقليمي الحالي يمدنا بأمثلة بينة من هذا التصنيف بالحضور والغياب لصنفي كلا النوعين من العقود العقليين والدينيين.

فالأنظمة العسكرية حقيقتها الفعلية من العقد العقلي الأول لكنها تخادع فتقدم نفسها على أنها من العقد العقلي الثاني.

والانظمة الدينية حقيقتها أنها من العقد الديني الأول لكنها تخادع فتقدم نفسها على أنها من العقد الديني الثاني.

ومن ثم فالأنظمة الأربعة هي في الحقيقة النوع الخامس الذي يجمع بين الطبيعي والعقلي الأول فعلا والثاني خداعا والديني الأول فعلا والثاني خداعا.

 

وإذن فالحقيقة التاريخية للسياسي أنه في آن كل هذه الأصناف بجرعات مختلفة أو بأقدار مختلفة بحسب درجات النضوج الفكري والرشد والشعور بالحرية والكرامة في الجماعة.

لكن الطريف والذي يستفز العقل والخيال في آن: هو أن ابن خلدون يعتبر هذا الجمع متجاوزا العقود الخمسة على أرضية الطبيعي علته إبقاؤه على الطبيعي بداية وغاية بوصفه ملازما لها جميعا كالمادة الخام التي تحاول تصويره.

ومعنى ذلك أن أي نظام سياسي من الأنظمة الخمسة الوسطى يتهدده دائما ما فيه من طبيعي البداية ومن قابلية النكوص اليه في الغاية فيعيش في تحد دائم للبداية والغاية الملازمة له.

وإذن فكل الانظمة تعيش هشاشة عجيبة هي جوهر هذين الخطرين في الداخل وفي الخارج والعلة انثروبولجية فلسفية خلدونية: صراع الطبيعة والثقافة الدائم في كل جماعة.

ورمز الطبيعة في هذا الصراع هو البداوة.

ورمز الثقافة فيه هو الحضارة.

والحضارة شبه ذهاب إلى الموت والبداوة شبه استئناف للحياة داخليا وخارجيا.

 

ورغم أن الحضارة هي التي تسود على البداوة بما لديها من شروط القوة “التقنية” كما ترمز إلى ذلك المدينة فإن البداوة هي المعين لأن المدن تحيا بما حولها من ريف.

فالتغذية العضوية والزراعية رمزي الحياة تبقى طبيعية لا حضارية والتجديد العضوي الذي يبقي على عنفوان المدن من البداوة التي تمثل مصدر النزوح الدائم نحو المدينة.

 

وظيفة السياسي الأنطولوجية

من هنا يأتي دور وظيفة الحكم السياسي الأنطولوجية:

كيف يوازن بين الطبيعة والثقافة لئلا تقتل الثانية الأولى بالتدجين فتبقى قوى الحياة منسابة ذات عنفوان؟

وهذا الدور جزء لا يتجزأ من الحكم لأنه بعده الرمزي الملطف لبعده الفعلي:

إنه التربية التي تحول دون تدجين الإنسان إذا كانت تحررية غير عنيفة.

وعكسها مع عنف الحكم يؤدي إلى ما يسميه ابن خلدون “فقدان معاني الإنسانية” وبالتدريج موت الحياة بتضاؤلها ففقدان الحرية فقدان لشاهيتها.

 

سأعود لاحقا إلى تعريف العلوم المساعدة لعلم السياسة وفلسفتها بمعناها الخلدوني (إذ قد اشتقها من انثروبولوجية فلسفية دينية) ثم بما يقتضيه تقدم المعرفة الحديثة انطلاقا من وظائف الدولة.

 

منطلقنا لتعريف السياسي

لكن الانطلاق من وظائف الدولة غير ممكن من دون شروط قيامها أو من دون تحديد بنيتها ومقوماتها لتكون وظائفها كما ينبغي لها أن تكون صورة للعمران.

فالدولة من حيث هي صورة الجماعة عمرانها واجتماعها لا يمكن أن تكون كيفما اتفق بل لا بد لها من شروط لا تكون من دونها صورة ذاتية بل قيود مفروضة عليها.

وإذا صح هنا أن نستعمل الاستعارات فإن الدولة من حيث هي صورة العمران والاجتماع هي شخص اعتباري رمزي ذو أذرع تحقق بها وظائفها لكأنها كائن حي.

والكيان الحي لا يمكن أن يصدر عن كونه اعتباريا ورمزيا بل لا بد أن يصدر عن حيوية الجماعة التي هي ما الدولة في نسبة الصورة إليه فلكأنه مدد حياتها.

 

وتلك هي العلاقة بين كيان الدولة ووظائفها:

فمقومات كيانها لا تكاد تختلف عن وظائفها.

ومن هنا تأتي الاستعارة العضوانية: نسبة الوظيفة إلى العضو.

 

وكل أشكال الدولة -مهما كانت بدائية- لها نفس الوظائف.

لكن الأعضاء المؤدية للوظائف هي التي تتجود بالتطور تماما كما يحدث في البايولوجيا .

لكنها من طبيعة تكنولوجية لا بايولوجية.

فتكون الدولة بذلك مزيجة.

فيها شيء من خصائص الكائن البايولوجي وشيء من خصائص الكائن التكنولوجي:

فمن حيث هي منظومة مؤسسات هي تكنولوجيا

ومن حيث ملء القائمين بالوظائف لهذه المنظومة هي بايولوجيا لأنهم افراد أحياء.

 

لذلك صار لمفهوم المؤسسة المؤطرة لافعال القائمين بوظائف الحكم في الدول الدور الأساسي المخلص قدر الإمكان من هوى البشر ونزواتهم ما أمكن.

 

الخاتمة

وبهذا أختم الفصل الأول من دراسة ستطول بقدر لا زلت غير عالم بحدوده لأنه يمكن أن يتحول إلى محاولات متوالية تشمل العلوم المساعدة لعلم السياسة.

ولنقل إنها تتعلق بصنفين:

الأول يتعلق بعلوم شروط كون الدولة دولة من حيث المقومات.

والثاني يتعلق بعلوم شروط كون الدولة دولة من حيث الوظائف.

 

والأولى هي شروط الكيان وتشبه علم التشريح بايولوجيا أو نظام أجزاء الجهاز تكنولوجيا.

الثانية علم وظائف الأعضاء بايولوجيا ودور الأجزاء تكنولوجيا.

 

وبذلك فقد مهدت للبحث وسنشرع في القيام به كلما سنحت الفرصة.

 *موقع الكاتب 


في الأحد 05 فبراير-شباط 2017 03:07:15 ص

تجد هذا المقال في موقع التجمع اليمني للإصلاح
http://alislah-ye.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alislah-ye.net/articles.php?id=13