براءة الناس في إنكار المنكر..!!
الدكتور/محمد المختار الشنقيطي
الدكتور/محمد المختار الشنقيطي

من حق كل ميت مسلم أن يصلي المسلمون عليه ويحسنوا تكفينه ودفنه بغض النظر عن سجل حياته العملية، طاعة ومعصية. وقد تقتضي المروءة والعرف الاجتماعي مجاملة أهل الميت في وقت الصدمة الأولى، على أن لا يصل ذلك إلى مستوى تمييع موازين الشرع الحنيف في التمييز بين الخير والشر، والظلم والعدل، والطاعة والمعصية. ومعرفة أهل الميت بما في سيرة ميتهم من موبقات وتحذيرهم من اتباعه فيها خير وأبقى لهم في معاشهم ومعادهم من المجاملات الباردة التي تحيل المنكر معروفا والمعروف منكرا. كما أن من حق جمهور المسلمين على أهل العلم أن لا يجاملوا في بيان موازين الشرع، تقيدا بعرف سائد أو ذوق مسيطر.


فالأصل فيمن غلب على حياته ظلم العباد بالتقتيل والتعذيب والسجن، وغلب على حياته الفساد بالغل والرشوة ونهب المال العام، أن يفرح المؤمنون بموته ويحمدوا الله عليه. وذهب بعض المفسرين إلى وجوب حمد الله تعالى على موتهم. قال تعالى: ‏"فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين". قال الزمخشري في هذه الآية "إيذانٌ بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة وأنه من أجلِّ النعم وأجزل القسم." وتردد هذا التعليق على الآية الكريمة في تفسير النسفي (مدارك التنزيل)، وتفسير التوحيدي (البحر المحيط)، وغيرهما. وروى الذهبي في (تاريخ الاسلام) أن التابعي إبراهيم النخعي بكى من الفرح لما سمع بموت الححاج بن يوسف. وليس الفرح بموت الظلمة وحمد الله عليه من سب الأموات المنهي عنه شرعا.

 


كما أن النهي عن سب الأموات في الحديث النبوي عام مخصوص بسنن أخرى قولية وعملية. ومنها حديث أنس بن مالك في صحيح مسلم قال: "مروا (أي الصحابة) بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مرو بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض." فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الحالتين: الثناء بالخير والثناء بالشر على صاحبي الجنازتين.

 


قال الحافظ شرف الدين الطيبي في (الكاشف عن حقائق السنن): "فإن قيل: كيف مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات؟ قلت: إن النهي عن سب الأموات إنما هو في حق غير المنافق والكافر وفي حق غير المتظاهر فسقه وبدعته. وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم للتحذير من طريقهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم."
فالأوْلى ترك المسلمين على فطرتهم الإنسانية وعاطفتهم الإيمانية، وتربيتهم على إنكار المنكر والبراءة من الظلمة، والكفّ عن تبليد حاسَّتهم الأخلاقية بالدعاية الزائفة، وبمجاملة الظالمين أحياء وأمواتا. فالبشر يميِّزون بين الميت حميد الفعل والميت ذميم الفعل، على حدِّ قول شيخ المعرة أبي العلاء:
ثم المنايا فإما أن يقال مضى / ذميمُ فعلٍ وإما كوكبٌ خَمَدا
وعند الله تجتمع الخصوم، حيث لا دعاية ولا صناعة نجوم.


في السبت 06 مايو 2017 03:30:25 م

تجد هذا المقال في موقع التجمع اليمني للإصلاح
http://alislah-ye.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alislah-ye.net/articles.php?id=110