الخميس 24-05-2018 04:53:34 ص : 9 - رمضان - 1439 هـ
آخر الاخبار
روح "دوكم" من الحزن إلى الوفاء .. تعز تنتصر
بقلم/ دكتور/فيصل علي
نشر منذ: شهر و 20 يوماً
الإثنين 02 إبريل-نيسان 2018 10:22 م
  

"إنّ الحرب التي تشنها الدولة تفسد الناس في عام و احد، أكثر مما تفسدهم ملايين جرائم النهب و القتل التي يرتكبها الأفراد في ملايين السنين" .. ليو تولستوي

في صبيحة يوم البعث العظيم يستيقظ عمر دوكم و دمه ينزف كيوم اغتياله و هو خارج من مسجده في تعز، قدمه مصابه و بطنه بها من الجروح ما يعلم به الله، يا الله ها أنا ذا قدمت إليك مظلوماً مغدوراً لم أفعل إلا ما أمرتني به؛ أقمت الصلاة، وأحييت القلوب بخطاب مقتبس من كتابك و سنة حبيبك و من واقع اليمن المؤلم، يا الله إنك تعلم من فعلها و أدمى تعز و اليمن فإني أشكوه إليك فإليك وحدك المشتكى .. افسحوا لعمر الطريق ليقترب من مولاه الذي عاش لأجله و مات على هداه ليلقاه لا ضالاً و لا مضلاً، تنحوا جانباً فلستم أهلاً للسباق معه؛ قدم الكلمة على البندقية و سلك السلم طريقا و قاوم بعلم و فقه داعياُ هادياً منيراً الطريق يوم أن انطفأت المصابيح، قدم الروح يقينا من وضوح الهدف غير مكترث بطول الطريق.

أيها الحزن ليس لك مكان بيننا، و ليس لدينا في هذه المدينة وقت لك و لا للأسى، من هنا مر الهدى.. ثمة مكاناً هنا استقرت فيه الأرواح العظيمة التي ابتدعت فقه المقاومة ضد الظلم و الاستبداد القادم من مزابل التاريخ، هنا قالت تعز لا للانقلاب فهتفت بعدها اليمن لا ، هنا خرج الأفراد حفاة يذودون عن اليمن و الدولة من انقلاب نعاج الطائفية و المناطقية المدججين بالأسلحة و الرتب و"الجناصات"، هنا في تعز حيث ينحني التاريخ مقبلا أقدام الصعاليك نقولها مدوية نعم للدولة و لا للإرهاب الموجه ضد مدينتنا و ضد روح اليمن الواحد، لا لمن يظنون أنهم يستنزفوننا و يجردوننا من قوتنا، فقوتنا نستمدها من اللطيف الخبير، و من مدينتنا، و من دموع أماهتنا، و من دماء أطفالنا الذين ذبحتهم رصاصات الغدر الطائفية.

مدد مدد يا الله مدد، ماذا نفعل وسط كل هذا الحقد والنيران الصديقة قبل العدوة.. أرشدنا يا الله مدد مدد، ما الذي نحتاجه والدم يطغى على الدمع؟ قبل كل احتياج نحتاجك أنت يا الله يارب هود و صالح و التبع اليماني و موسى و يسوع و محمد و ربنا و رب كل من ذكروك هنا و أطاعوك على كل نهج أردته من هود إلى محمد، فأعنا و أمنحنا القوة على مواصلة السير نحو السلم و المدنية و الحياة الكريمة التي نرجوها لكل أبناء شعبنا اليمني العظيم.

دعونا نلجم هذه الأحزان في هذه اللحظة الفارقة، و لا نقول إلا ما يهدئ روع شعبنا و يحفظ كرامة أمتنا اليمنية التي تنتظر من تعز الكثير الكثير، نعم اليمن كلها تنتظر من تعز و منكم يا أبناء تعز الكثير الكثير، بحكم ما لهذه المدينة التي تقع في قلب الوطن من ثقل لا يوازيه ثقل، الناس يتبعون ثقافتهم ومثقفيهم، و أنتم قبلة اليمن ثقافيا عبر التاريخ، أنتم الثورة و مدينتكم منبع كل ثورات البلد في العصر الحديث، و أنتم أساس الدولة و نواتها التي لا يصل إليها عدو مهما بلغت قوته، و لذا عليكم التنبه جيداً فهناك من يريد تحويل مدينتكم إلى تورا بورا ثانية، و يريد إحراقها كما أحرقت روما من قبل، هناك من يدفع لأن تكون تعز وكراً للإرهاب متناسين طبيعتها المدنية و سلوك أهلها الحضاري الذي توارثوه كابراً عن كابر.

لقد منحتهم الفوضى بعض الأمنيات الوضيعة، مستغلين خلافات هنا و ضجيج ممنهج هناك، كنا قد تحدثنا إليكم منذ بداية هذه الحرب و اشعال تعز لفتيل المقاومة أن الحزبية في وضع المقاومة و الحرب حماقة لا بعدها و لا قبلها، المهاترات السياسية ولى عهدها و لن يعود إلا بعودة الدولة، و عودة الميدان السياسي، و عودة القوى السياسية للفاعلية، أما التحزب اليوم في مدينة مثل تعز و بلد مثل اليمن لا يزيد الصفوف إلا تشرذماً -أنا هنا لا لا أحذر لا من الحزبية و لا من الأحزاب كما سيقول من لديهم شكوكاً من أنفسهم و من الآخرين أنا فقط أحذر من التجاذبات الحزبية و المحاصصة الحزبية والمهاترات الحزبية في غير ميدانها- و لقد رأيتم بأعينكم كيف فعلت بعض القوى الحزبية الضعيفة حينما شككت بالمقاومة و بالجيش الوطني و رفعت التقارير إقليمياً و دولياً، هذا الضعف جنى على تعز كل تعز و كل سكان تعز و كل أهالي تعز في الداخل و الخارج، هذا الضعف و الركاكة الحزبية يجب أن تزول، نريد أحزاباً قوية لأجل تعز لا نريد أحزابا ضعيفة مرتعشة أيادي قادتها تضعف تعز و تحرض ضد تعز، و لدرء هذه المعضلة علينا جميعاً الترفع عن المهاترات الحزبية، فتعز أكبر من الأحزاب و من الأفراد، و هي تتسع للجميع "فتعز هي اليمن و اليمن هي تعز".

من ينظرون إلى أن تعز مدينة كالمدن هم واهمون، من يتعاملون مع تعز أنها ميدان كسبهم الحزبي المقيت فهم لا يجيدون قراءة التاريخ و لا استشراف المستقبل تعز هي روح هذا البلد و مفتاح سره العظيم.

تحتاج تعز إلى مئات الندوات السياسية ليصل الفهم السياسي إلى كل أبنائها المرابطين و إلى كل أفراد الجيش في الجبهات، علينا فهم قواعد اللعبة التي تريد إبعاد اليمن عن الفاعلية و حصر تعز بين "شعب الدباء و بير باشا"، علينا معرفة و إدراك أن تعز هي قلب المعادلة اليمنية، فهي باب المندب، و جزيرة ميون، و هي المخا، و هي الطرف الوحيد في الخارطة اليمنية للامتداد الطبيعي بين اليمن و افريقيا، و فيها ملايين الفرص الاستثمارية المستقبلية.

علينا إدراك أن تعز ستتحول مع طريق الحرير، و مع ربطها بالساحل الأفريقي إلى لؤلؤة الشرق بلا منافس، و لذا علينا جميعا فهم مستقبلها، كما أنها تمثل قنطرة اليمن للتحول نحو الدولة الاقتصادية الفاعلة، و هي الخط الفاصل بين كيانات التشطير شمالاً و جنوباً، و هي الضامن الحقيقي لدولة فيدرالية يمنية لا مركزية، فلا تضيعوا كل هذه الرؤى الحقيقية و تنظرون إلى تحت أقدامكم و فقا لمصالح آنية لا تسوى أثمان نعالكم، على تعز أن لا تسمح بفصل مناطق الساحل عن الوادي و الجبل، لن يستطيع أحد كائنا من كان مع إجتماعكم و إجماعكم أن يأخذ حفنة تراب واحدة من مدينة كل اليمنيين الشرفاء الذين يقفون خلفكم و خلف مدينتكم بلا منازع، فتعز بكل تضحيات أهلها هي من ستقود عملية التغيير اليمني الكبير و "على قدر أهل العزم تأتي العزائم" و على قدر التضحيات يكون الحق في القيادة مضمونا.

علينا جميعاً دون استثناء تحويل تعز في هذا الظرف إلى ورشة عمل في كل مجالات التنمية، تعز ليست وحيدة بتجمعنا لأجلها، علينا أن ندرك أن تعز تجمعنا ولا تفرقنا، و هي تستحق أن نجتمع لأجلها.. ورشة عمل والقذائف تصل إلى كل حي و شارع؟! نعم ورشة عمل في كل فن، نحتاج إلى إحياء تعز ثقافيا و فنيا و فكريا و روحيا، تعز اليوم بحاجة إلى دفعة قوية تزيح عنها عفن التعصب و التمزق، و لذا هي بحاجة إلى كل جهد مخلص و صادق، نريد أن نسمع عزف تعز و فن تعز نريد من يغني لتعز و لمشاقر تعز، فالموسيقى مضاد حيوي لكل أوكار الإرهاب المتربص موجهاً كان أو فردياً أو عقارباً تبث السم، عود أيوب طارش سيفعل في الإرهاب و صدأ الأفكار المتعصبة مالا تستطع فعله أجهزة الأمن، إن إشاعة ثقافة الحب وقت الحرب هي أوجب الواجبات حتى لا يتوه الجمع و يغلبهم الأسى و الشقاء.

تعز اليوم بحاجة إلى خطاب روحي موحد يقضي على بذور التعصب و التمذهب، و على أفكار الطوائف الدخيلة على مجتمعنا اليمني، تعز بحاجة إلى خطاب العلم و الفقه و الحكمة، و ليست بحاجة إلى كل هذا الغثاء و ركاكة الوعاظ الذين ابتلانا الله بهم و لم يفلحوا سوى في تبادل الإتهامات، ليتهم فقهوا خطاب الشهيد الكبير عمر دوكم الهادئ و الحكيم، اسكات هؤلاء الوعاظ لا شك أنه سيرضي الله و الناس في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى جمع كل أهل تعز حول قضية تعز التي هي المدخل الحقيقي للقضية اليمنية الجامعة، من يفهم الوعاظ -عليهم من الله ما يستحقون- أن تعز ليست ناقصة لاستماع أصواتهم النشاز و لسنا متفرغين لسماع حجج بعضهم ضد بعض، الخطاب الروحي الذي تحتاجه تعز يجمع بين حب الوطن و التضحية للأهداف اليمنية الكبرى، و بين ثقافة الحب المجتمعي و حض المجتمع على المضي خلف الدولة اليمنية الواحدة دونما إفراط أو تفريط، هو خطاب العدالة و المساواة و الحرية و التسامح و الرحمة و المقاومة.

المجتمع التعزي بحاجة إلى إعادة تأهيل و تطوير و تدريب على المزيد من التضحية اليوم و التنمية غداً، هذه الحرب برغم بشاعتها تمثل فرصة لتحويل هذا المجتمع إلى مجتمع منتج و لديه كافة المؤهلات للقيام بهذا الدور العظيم، هذا هو المجتمع القدوة لكل اليمن، و كما أخبرتكم أن الشعب اليمني ينتظر منكم الكثير يا أهل تعز فلا تخذلوا تعز و تخذلوا اليمن التي تحبكم و تنتظر منكم قيادتها نحو الدولة الحقيقة لكل اليمنيين بعيداً عن المشاريع الطائفية و التمزيقية و الشخصية.

إن تحويل تعز إلى ورشة عمل يحتاج إلى كل أفراد المجتمع رجالاً و نساءً، كما يحتاج إلى إشاعة روح التعاون، و على منتسبي الأمن و الجيش فهم أن عملهم تطوعي لأجل تعز و لأجل الوطن و الأمة اليمنية و ليسوا موظفين عند أحد، اليمن في محنة كبيرة و لذا الفكر فيها يجب أن يتغير، و لن يتغير الفكر اليمني إلا بتغيير الفكر التعزي، لقد حدث هذا عبر التاريخ المعاصر على أقل تقدير، و مثلما ينحني التاريخ اليوم لكم فغداً ستنحني الجغرافيا صاغرة لكم يا روح الأمة اليمنية، رفع الله أحزانكم و ابدلكم عنها حكمة و اخلاصاً و حباً يملأ تعز و اليمن قاطبة.

اللهم أحيي بدماء عمر دوكم تعز وأهل تعز وأحيي بدماء تعز اليمن الجريح و ابعث بها روح الأمة اليمنية إنك على كل شيء قدير.. آمين