الخميس 28-05-2020 14:35:11 م : 6 - شوال - 1441 هـ
آخر الاخبار
حدثنا يا رمضان
بقلم/ أحمد عبدالملك المقرمي
نشر منذ: شهر و 4 أيام
الخميس 23 إبريل-نيسان 2020 06:10 م
  

حدثنا يا رمضان بحديثك العذب، في زمن يحاول أن يستبدل فراتنا بالملح الأجاج، و حدّث قِدَمنا بالتجدد والتجديد، و حدث أرواحنا بأشواق الروح إلى ملكوت الرحمن، لنعبّ من فيض نوره، و بينات هداه، ما يرشدنا إلى سواء السبيل، فيسكب على نفوسنا الطمأنينة، و يمنح الأرواح الدِّفء و يمد الجوارح بالورع " لعلكم تتقون ".

حدثنا يا رمضان بأحاديث البناء ؛ بناء النفوس، و رص الصفوف " و نفس ٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها*قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ".

حدثنا برَواء النفوس ؛ فإنها اذا ارتوت صلحت، و إذا استنارت شبعت، و إذا استضاءت اهتدت " هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" . فأنر دروبنا بذكرك " ألا بذكر الله تطمئن القلوب ". و اشف نفوسنا و أوجاعنا برحمتك " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ".

حدثنا يا رمضان بأحاديث السماء ؛ لترتقي الجوارح، فتعفّ الأيدي، و تطهر الألسن، و يستقيم السلوك، وتسلم النفوس من الخيانة، فإنها بئست البطانة .

وحدّث أفكارنا بالورع والتقى " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه".

حدث أشواق الروح، بغذائها و تغذيتها التي توهقها وترهقها أدران الأرض، ويغسلها و ينيرها هدي السماء " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ". و حدثنا بأحاديث السمو الروحي " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ". فتسمو الروح تتبّع فيض عطاء " فإنه لي وأنا أجزي به" فيغشاها من العطاء الرباني ما يغشى ؛ مما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و لا يقوى على أن يصف تلك الحال قلم :

وأرواح تطير بلا جناح الى ملكوت رب العالمينا

حدثنا يا رمضان عن نهارك " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " و حدثنا عن ليلك " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ".

وحدثنا عن ساعة الإفطار، حيث " للصائم فرحتان " وحدثنا عن الخط الساخن بالابتهال و الدعاء " إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " .

حدثنا يا رمضان ؛ لتتحدث أخلاقنا، و قدراتنا، و ثقافتنا، و سلوكنا، حدثنا :

فإنا نعيش بقَفْرة     زاد الهجير بها و قلّ الماء

حدثنا عن ذكرياتك يارمضان ؛ لتتحدث أفعالنا، ومهاراتنا، و فكرنا و تفكيرنا، وأداءنا و أدواتنا، و لتتحدث الرؤى و الميادين . فحدثنا يارمضان عن ذكرياتك العِذاب، فحديثك عذب ، وذكرياتك فرات، و أي زاد أفضل - لنا - من العذب الفرات !؟

حدثنا عن بدر الكبرى و " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " و أكد لنا : " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ".

حدثنا عن فتح مكة، ففي الحدث عن هذه و تلك، وتلكم زاد و تحديث، وتبصرة و ذكرى، حدثنا عن فتح مكة و كيف تُحَطّم الأصنام !؟

حدثنا عن عين جالوت، وكيف طوت جحافل المغول ، و قد قال قائل المنهزمين : " من حدثك بأن المغول قد هزموا فلا تصدق " !! لكن المغول - فعلا - هزموا ، بل و أكثر من ذلك، فقد حدثتهم آيات القرآن فإذا هم و قد عادوا مسلمين !

ولك يا رمضان - بعد أن نجلس بين يديك تلامذة صامتين - أن تحدثنا عن ذكريات الشموخ ، و قد رافقت فتح الأندلس، و قبلها صحبت الرسول المصطفى صلى الله عليه و سلم وجيش العسرة إلى تبوك ... حدثنا بأحاديثك و عن ذكرياتك، فمعك يحسن الحديث و يَعْذب .

حدثنا يا رمضان قولا وعملا، و حدثنا نظريا و تطبيقا ؛ حدثنا وحدثنا طوال هذا الشهر الكريم، فليس بمقدور هذه السطور إلا أن تتوسل إليك لتتحدث وتحدث ، فنكتسب من أحاديثك والتحديث " لعلكم تتقون ".